توقيت القاهرة المحلي 12:19:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مساحة إنسانية

  مصر اليوم -

مساحة إنسانية

أسامة غريب

الزحام عدو السعادة، والمدن المزدحمة لا تمنح الإنسان سوى القلق والغثيان وحموضة المعدة.. وقد فهم الحكماء أن هناك حيزاً يحتاجه الإنسان ومساحة من البراح لا غنى عنها ليستطيع الفرد فيها أن يمارس إنسانيته دون تطفل من الرؤوس التى تطل عليه طوال الوقت. وافتقاد هذه المساحة التى تتيح الخصوصية هو أحد الأسباب الأساسية لتعاسة البشر فى كل زمان ومكان. وربما كانت الحياة فى الريف، حيث الحقول والخضرة الممتدة، جالبة للسكينة لمن افترسته حياة المدن وعصف الضجيج بأعصابه، كذلك الاستقرار بالأماكن الساحلية المطلة على البحر يمنح الخيال فرصة للانطلاق بلا حدود، لكن مع ذلك لا الريف ولا البحر فى بلادنا كافيان ليمنحا شخصاً الحق فى أن يجلس وحيداً إذا شاء دون أن ينقض عليه قريب أو زميل من أجل الدردشة دون مناسبة عن أدق تفاصيل حياته التى اطلع عليها عن طريق الأهل والجيران والأصحاب! وفى الحقيقة ليس أصعب على الإنسان من مواجهة أنفاس الآخرين طوال يومه فى الشوارع المزدحمة والمكاتب الضيقة والباصات الخانقة، وما أتعس من يعجز عن الحديث إلى صديق أو زميل دون أن يضطر إلى الهمس حتى لا يسمع الجميع حديثه. وفى هذا الشأن يمكن النظر إلى حياة أولئك الذين يعيشون فى الأماكن العشوائية ذات المساكن المتلاصقة التى تفصل بينها وبين بعضها سنتيمترات على أنها الجحيم بعينه، خاصة أنه فى بعض الأحيان تكون ستارة من قماش هى ما يصنع الحدود بين مساحة الواحد منهم ومساحة جاره!. ومن الطبيعى أن حقاً أساسياً تنص عليه الدساتير جميعاً يكون معطلاً فى ظروف كهذه، وهو الحق فى الخصوصية.. وأى خصوصية يمكن أن تتوفر عندما يخدم حمام واحد عشرات العائلات؟! وليس الحيز المطلوب للسلامة النفسية هو الحيز المادى فقط، لكن يحتاج الإنسان أيضاً حتى فى الأماكن المتسعة إلى قدر معقول من الخصوصية. صحيح أن الإنسان حيوان اجتماعى لا يستطيع أن يسعد دون وجود الناس فى حياته، لكن هذا الوجود لا ينبغى أن يصل إلى درجة الاقتحام التى تضيق الخناق على الناس وتحرمهم السعادة.. وقد شاهدت بنفسى فى بعض عواصم الغرب مقاهى ومنتديات مفتوحة لتشجيع الناس على التعارف وتكوين الصداقات فى مجتمعات ابتعد فيها الناس عن بعض، سعياً للحفاظ على المسافة الإنسانية المفترضة. وربما أن هذا ما يؤدى إلى أن بعضهم عندما يزور بلادنا التعيسة ينبهر، ويحسد الناس على الحميمية والقرب الذى يصل بينهم أحياناً إلى درجة أن يركب خمسة أفراد على موتوسيكل، بينما لا يستطيع الواحد فى بلادهم أن يلمس جاره مهما كان المترو مزدحماً.. ولكن ربما يكف هؤلاء عن حسدنا بعد أن نصدر القانون الذى يحدد راكباً واحداً للموتوسيكل الواحد! نقلاً عن "المصري اليوم"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مساحة إنسانية مساحة إنسانية



GMT 09:12 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

النظام الإيراني... على طريقة صدّام

GMT 08:59 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

ناس من راس بيروت

GMT 08:50 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

النَّووي السّعودي والأسئلة الصَّعبة

GMT 08:45 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

أسئلةٌ لا تغيب وفلاسفةٌ تجيب

GMT 08:40 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

الكويت والبحرين و«ردع» الخليج

GMT 08:03 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

الزيارة الأميركية والإمكانات الحاضرة

فساتين هنا الزاهد النهارية تجمع بين الأنوثة والعصرية

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 09:51 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

عيوب خطيرة تتسبب في سحب 4.3 مليون سيارة فورد

GMT 10:44 2022 الخميس ,21 إبريل / نيسان

نانسي عجرم بإطلالات أنيقة وجذابة

GMT 13:52 2021 الخميس ,06 أيار / مايو

الكشف عن سكودا فابيا 2022 الجديدة كليا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt