توقيت القاهرة المحلي 12:04:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عاهات.. خدمة ذاتية!

  مصر اليوم -

عاهات خدمة ذاتية

بقلم:أسامة غريب

عندما قرأت رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ منذ سنوات طوال كانت شخصية «زيطة»، صانع العاهات، من أكثر الشخصيات إثارة لانتباهى، حتى لقد أحدثت جدلًا داخل نفسى.. كيف يحتمل الإنسان أن يذهب بمحض إرادته إلى صانع العاهات ليقوم ببتر ساقه أو قطع يده أو فقء عينه فيصير بعدها مؤهلًا لشق طريقه فى عالم التسول، ومن ثَم يضمن ملء معدته يوميًا. كنت أسأل نفسى: هل الإنسان عبارة عن معدة فقط؟، ألا يوجد لدى هؤلاء بعض الكرامة أو الكبرياء أو الإيمان؟. فيما بعد فهمت أن الفقر يهوى بالإنسان إلى أسفل سافلين، فلا يتبقى سوى الغرائز التى تساوى بين الإنسان والحيوان، فتصير القضية الأساسية الملحة هى الوجبة التالية وكيف يمكن تدبيرها!.

هذا شأن زيطة وزبائنه، فما بال بعض الناس حتى اليوم يبدون وكأنهم خرجوا لنا من روايات نجيب محفوظ؟. لقد كشفت لى الأيام أن كثيرا ممن صعدوا اجتماعيا من أسفل السلم وحققوا الثراء الفاحش لايزالون غير مصدقين أن بإمكانهم أن ينعموا بالكرامة والاعتداد بالنفس، حتى ليخشوا أنّ الثروة التى تحققت بالخضوع والامتثال قد تضيع مع أول موجة كبرياء يفكرون فى اعتلائها، لهذا فإنهم يؤثرون الذل وهم أثرياء ولا يرضون عن الانبطاح بديلًا، ويتصرفون كأنهم خرجوا من تحت يد زيطة بعاهة أبدية لا يبرأون منها أبدا، وهى التى تضمن لهم الحياة المرفهة.

إننى لا أستطيع أن أمنع نفسى من الضحك عندما أرى أحد المسؤولين يجلس فى حضرة رئيسه وقد مال بجسمه إلى الأمام وهو على كرسيه، ولا يستطيع أن يسند ظهره إلى المقعد.. هل لاحظتم هذه الجلسة التى يخشى فيها المرؤوس من إراحة ظهره وكأن الجلسة المتوترة غير المريحة صارت من علامات إظهار الاحترام لمديره!. وهذا المدير نفسه يجلس الجلسة ذاتها أمام رؤسائه.. وهكذا. هذه الجلسة الخانعة الذليلة لم أشاهدها أبدا فى بلاد برة، حيث الناس يجلسون وظهورهم مفرودة وعمودهم الفقرى مستقيم فى حضرة أى إنسان، لقد شدت الحرية ظهورهم، وسلطان القانون حررهم، فى حين أن الديكتاتورية وعدم تفعيل القانون الهش خلقا لدى العرب تشوهات نفسية، وجعلا حتى الأغنياء منهم يعيشون من خوف الذل فى ذل. يقول الشاعر فى البيت الشهير: «ولم أر فى عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على الكمال». إن المشكلة اليوم هى أن الكثيرين من القادرين على الكمال قد اختاروا أن يُحدثوا بأنفسهم عاهات من أجل تحقيق الثروة وحمايتها. لم يعد زيطة مطلوبًا بعد أن تكفلوا بالقيام بعمله، فصار كل منهم معيوبًا معطوبًا، وفى الوقت نفسه مؤهلًا لحياة مليئة بالطعام والشراب.

ولا أظن نجيب محفوظ كان يتصور أن الظروف التى أفرزت زيطة وقت الحرب العالمية الثانية فى زقاق المدق سوف تستمر حتى الألفية الثالثة، وأن زبائنًا جددًا من طبقات موسرة سوف يبحثون عنه ويلتمسون مساعدته، حتى إذا عزّ وجوده، أحدثوا بأنفسهم العاهات!.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عاهات خدمة ذاتية عاهات خدمة ذاتية



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt