توقيت القاهرة المحلي 23:56:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الوعي المتقطع بإشارات الأرض

  مصر اليوم -

الوعي المتقطع بإشارات الأرض

بقلم : د. آمال موسى

هناك قضايا تقوم خطة معالجتها على بناء وعي فردي ذاتي قوي مثل مسألة الإقلاع عن التدخين، والاعتماد في عملية الإقناع على خطورته الصحيّة على صحة الفرد. غير أن القضايا ذات الصلة بالحياة في كوكب الأرض مشروطة بوعي العالم بأسره، وبمدى تفعيل ذلك الوعي في شكل خطة وقرارات وتضافر جهود دوليّة.

ومَن يتعمق قليلاً في فحوى هذا الشرط، فإنَّه سيفهم السرَّ بيسر لأنَّ قضيتَي تغيُّرات المناخ وتأثير هذه التغيرات لا تمسان رقعةً واحدةً على كوكب الأرض دون سواها، ولا تشملان شعباً دون آخر، بل تمسان الحياة في كوكب الأرض وتنزلان العقاب بمَن قاموا بالأنشطة المتسببة في تغيُّر المناخ، وبضحايا تلك الأنشطة الذين لا صلة لهم بالأنشطة ذات التأثير على صحة الأرض وعافيتها.

يصادف اليوم تاريخ حدث دولي يتمثَّل في «اليوم العالمي للبيئة»، الذي يحمل دعوةً مُجدَّدةً للعمل المناخي رغم كل الإخفاق الذي يشهده العالم بسبب عدم الإيفاء بتعهداته من تاريخ اتفاق باريس 2015 إلى اليوم.

وكما نعلم، فإنَّ هذا الاتفاق يمثل أول اتفاق قانوني وقّعت عليه 200 دولة، وتم التعهد بالقيام بخطط وطنية كل 5 سنوات، والتركيز على الحياد الكربوني، وبناء مدن آيكولوجية، وتمويل كل الخطط التي تقلل من تأثيرات الأنشطة التي أدت إلى تغيُّر المناخ المتمثل - أي التغير - في ارتفاع درجات الحرارة وازدياد الحرائق والعواصف والفيضانات.

نحن نتحدث عن اتفاق يعود إلى 11 عاماً، وواقعياً أثبت علماء المناخ أن العقد الأخير هو أكثر السنوات حرارة، إضافة إلى أن الالتزام بخفض الانبعاثات الدفينة ظلَّ هدفاً دون إرادة فعلية.

ما يُلاحَظ أنَّ هناك خطاباً حول المناخ في العالم. بل إن غالبية الدول قامت بخطة وطنية لتغيرات المناخ. وهناك جهود وميزانيات خصصتها بعض الدول لما يسمى الاقتصاد الأخضر والأزرق، ومقاطعة استعمال البلاستيك... ولكن هذه الجهود قليلة وغير عامة، ووتيرة التراكم في الغالب بطيئة رغم أننا أمام قضية ترتبط لا بجودة الحياة فحسب، بل بالحياة ذاتها، الأمر الذي يجعل منها ضرورة الضرورات وليست ترفاً.

إذن، الوعي موجود، ولكن المشكلة في التجسيد الفعلي والعملي لهذا الوعي. أي إننا أمام فجوة بين الوعي والسلوك على مستوى عالمي، رغم أن المخاطر عالية: لو ظلت هذه الفجوة مستمرة فإنَّ الجفاف سيؤثر على 3 أرباع السكان بعد رُبع قرن. كما سيرتفع التعرُّض لتلوث الهواء بما يتجاوز الحدود المأمونة بنسبة 50 في المائة.

لا يوجد نقص في المعلومات. والمخاطر محدّدة بدقة متناهية. ولكن المفقود هو التعاطي مع تغيُّرات المناخ بإعلان حالة طوارئ عالمية، وجعل هذا الملف الحيوي الجاد أولوية دائمة، لا أولوية مؤجلة.

لا شك في أنَّ العقد الأخير لم يكن سهلاً، ويكفي تداعيات جائحة «كوفيد»، التي استأثرت بالانتباه والميزانيات، ومخلفاتها الاقتصادية وحتى الصحية التي لا تزال إلى اليوم. كذلك التوترات الحاصلة في بقاع عدّة في الخريطة العالمية تسهم في تعميق رداءة الوضع البيئي، إضافة إلى استنزاف الخسائر والتداعيات؛ مما يجعل ملف تغيُّرات المناخ واستحقاقاته في أسفل قائمة الأولويات.

ماذا ينفع وضع خطط وطنية لمعالجة تأثيرات تغيُّر المناخ دون توفير ميزانية لذلك؟

طبعاً المصاريف الطارئة للدول - التي مجملها بسبب توترات دولية - تؤدي بدورها إلى ارتفاع أسعار الحبوب والطاقة، وهي مصدر استنزاف وتحويل وجهة الاعتمادات من مسار التنمية المستدامة والعمل المناخي إلى مواجهة الحاجيات اليومية للشعوب والمصاريف الطارئة التي لم يُحسَب لها حساب، ولا قدرة للدولة على مجابهتها من دون التضحية بالتمويلات المخصصة للملفات الاستراتيجية التنموية.

نعتقد أنَّ هذه النقطة هي مربط الفرس، باعتبار أنه ليس فقط هناك تنصلٌ من الدول التي تعهَّدت في قمم متتالية بتمويل تغيُّرات المناخ ودعم الدول الضحية في عملية التصدِّي المكلفة والصعبة اجتماعياً، بل إننا في وضع آخر مفاده أن حتى الدول التي تريد أن تعول على نفسها في هذا الملف تجد نفسها مشوشة بمجابهة تداعيات عدم الاستقرار الدولي.

يبدو لنا أن الدعوة إلى العمل المناخي من الخطأ أن يتم التسويق لها بوصفها دعوةً مستقلةً وملفاً خاصاً، بل إن المقاربة الأكثر جدوى والعملية أكثر تتحقق بربط تأثيرات تغيُّر المناخ على الصحة، والزراعة، والاقتصاد، ونسبة النمو، والميزان التجاري، والفقر، والبطالة، والأسرة، والعنف بشتى أنواعه. ذلك أن تأثيرات تغيرات المناخ ليست بيئية فقط بقدر ما هي اقتصادية واجتماعية.

ومن منطلق الطابع المركب لأي دعوة تخص العمل المناخي، فهي آلياً تشترط إرادة سياسية دوليّة. وفي مثل هذا اليوم قد يكون من الأجدى الدعوة إلى: ليكن العمل المناخي أولويةً عالميةً من أجل تدارك البطء الحاصل في الوعود التي قطعتها 200 دولة في اجتماع باريس التاريخي 2015.

هل يمكن التأجيل أكثر، والحال أن الأرض تحتاج إلى الإسعاف والعلاج؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الوعي المتقطع بإشارات الأرض الوعي المتقطع بإشارات الأرض



GMT 06:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 06:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 06:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 06:07 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 06:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 06:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 05:58 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 05:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - ناسا تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt