بقلم: أسامة غريب
ما الذى يجعل الفنان وبالذات نجم الكوميديا يأفل ويفقد البوصلة التى كانت تهديه إلى ما يحبه الجمهور، وهل للكوميديان عمر افتراضى يصير بعده رجلًا من الماضى لا يملك سوى اجترار الذكريات أو القبول بأدوار صغيرة؟. هناك وجهات نظر عديدة فى هذا الأمر بعضها يقول إن التعبيرات والإفيهات تتغير فى الشارع من جيل لجيل ومن وقت لوقت بحيث أن ما كان يضحك الناس فى الثلاثينيات على يد الريحانى وعلى الكسار وحسن فايق لا يصالح الآن للتقديم على المسرح لأن النصوص المكتوبة بلغة ذاك الزمان لن تضحك أحداً الآن.
هذا كلام وجيه وهو ينطبق على كوميديا الأزمان البعيدة التى تجاوزناها، لكن ماذا عن فنانين مثل محمد سعد ومحمد هنيدى وأحمد آدم مثلًا، وثلاثتهم قدموا أفلامًا نالت شهرة وحققت إيرادات لكنهم الآن لم يعد لديهم ما يقدمونه، وكل محاولاتهم للعودة تصطدم بجمهور لم يعد ينتظرهم أو يتلقف أعمالهم بالشوق نفسه وباللهفة نفسها. نفس الموقف واجهه كوميديانات آخرون فى سنواتهم الأخيرة مثل فؤاد المهندس وأمين الهنيدى وسمير غانم وهم أبناء زمن الستينيات.
فى الألفية الجديدة لم يعد سمير غانم الذى أسعد الجماهير لأربعين سنة قادراً على ضخ المزيد من الضحك فى شرايين أعمال جديدة، والأمر نفسه واجهه عبد المنعم مدبولى ومحمد عوض وأبو بكر عزت وسعيد صالح. فى ظنى أن هناك عاملًا فعالاً لا يُلتفت إليه يعزى إليه خفوت صوت الكوميديان مع الزمن وهو أن كل الأسماء التى ذكرناها هى لأشخاص خرجوا من حوارى وأزقة مصر وليس من بينهم أبناء باشوات ولا بكوات، وكانوا بطبيعة الحال مرتبطين عضويًا بالجماهير الكادحة وبالطبقة الوسطى لأنهم جزء منها. لكن الذى يحدث دائمًا أن الممثل الهفتان الذى كان يأكل فى المسمط ويشرب الشاى فى القهوة على ناصية الحارة مع الناس هجر هذه الحياة وتوارى فى الكمباوند وأصبحت سهراته على حمام السباحة وفى فنادق السبعة نجوم وصار أصدقاؤه الذين يلتقيهم ويسافر معهم هم رجال الأعمال والأمراء العرب، وهؤلاء تخلو حياتهم من التلقائية والضحكة الصافية والنكتة الحراقة. بهذا الانفصال لم يعد الكوميديان يعرف حديث الناس على عربة الفول فى الصباح ولا يسمع قهقهاتهم على القهاوى فى الجمالية والدرب الأحمر وباب الشعرية أو حتى فى قهوة البستان وسوق الحميدية، كما أن حديث المدينة الذى يشغل الناس ويتداولونه وهم يشربون حمص الشام من العربة فى الشارع أو وهم محشورون داخل ميكروباص أو مترو أنفاق، هذا الحديث غاب تمامًا عنهم فأصبح عليهم أن يعتمدوا على النص المسرحى أو التليفزيونى الكوميدى الذى كتبه رجل مترف مثلهم كان بالأمس من صعاليك المدينة والآن صار من البكوات بعد أن ودّع الحارة وأصبح نديمًا ومسامراً للأغنياء والكبراء، وهو ما يترتب عليه تلقائيًا أن تغادره الموهبة وتخبو ناره فتنطفىء شعلته. هذا فى اعتقادى هو سبب أفول نجوم الكوميديا الذين أصبحت مفرداتهم الحياتية هى مفردات الكومباوند ومصطلحات الشواطيء التى تنفر من المصريين!