توقيت القاهرة المحلي 17:47:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

شبح الموت في أغسطس

  مصر اليوم -

شبح الموت في أغسطس

بقلم:أسامة غريب

هل يمكن أن يتعرض الإنسان للموت بفعل الشمس الحارقة فى قيظ شهر أغسطس وهو لا يعمل فى مكان مكشوف ولا ضلّ سبيله فى الصحراء؟
فى مثل هذه الأيام منذ سنوات كنت فى زيارة للكويت، وقد عنّ لى أن أنزل إلى جمعية الشرق التى تقع على مقربة من الفندق الذى أقمت به لشراء بعض الأشياء. الجمعية هى السوبر ماركت التعاونى الموجود بالحى، والمسافة إليها تحتاج إلى أقل من عشر دقائق، لكن مَن المجنون الذى يمشى فى هذا الجو؟ من خارج الفندق أخذت سيارة أجرة أوصلتنى سريعًا. فرغت من شراء ما أردت وقررت ألا أتلكأ حتى ألحق موعدى مع شخصية هامة على الغداء. حين خرجت من الباب لفحنى الصهد فخطوت سريعا إلى الشارع ألتمس سيارة أجرة. مرت دقيقتان دون أن تظهر أى سيارة فأحسست أن نافوخى يغلى من الحرارة. ارتددت صوب الجمعية لأحتمى داخلها من النار. عاودت الخروج مرة أخرى بعد أن انتعشت قليلا من الهواء المكيف. يا إلهى.. أين سيارات التاكسى التى تقف عادة خارج السوبر ماركت؟. طال الوقت وبدأت أشعر بصداع وكنت أخشى أن أصعد السلالم للخلف مرة أخرى للاحتماء من الشمس فيمر التاكسى فى نفس اللحظة فقررت أن أقف حتى أظفر بواحد وأعود سالما. بعد فترة اكتشفت أن هذا المدخل ليس هو الباب الرئيسى لجمعية الشرق، لكنه باب فرعى يطل على مكان غير مأهول. عند هذا الحد قررت أن أستعين بصديق.. أى صديق ينجدنى ويأتى ليقلنى. دخلت إلى الجمعية مرة أخرى وتنفست من جديد ثم مددت يدى لأخرج المحمول لكنى أخرجتها فارغة.. يا الله.. لقد نسيت التليفون فى الفندق.. أى حظ هذا؟ عبرت الممرات ووصلت إلى الباب الآخر المملوء بالحياة حيث المطاعم والساحة الكبيرة التى تعج بالسيارات. لمحت تاكسيا كان قد أنزل زبونا ويتأهب للانطلاق فعدوت نحوه صارخا، غير أنه لم يسمعنى ومضى أمام عينى وتركنى أمضغ غيظى. الوقوف على السلم يكفل لى الحماية من الشمس لكنه لن يسمح باصطياد سيارة أجرة، لكن على الرصيف المقابل بعد ساحة السيارات يوجد الشارع الذى تمضى به السيارات.. انتظرت قليلا دون طائل فلم أر بدا من النزول والذهاب إلى هناك حيث رفعت يدى عاليا فى انتظار أن يتعطف أى إنسان ويرق لحالى. يبدو أن هذا اليوم ليس من أيام سعدى فكل التاكسيات التى تمر أمامى مشغولة. لو أن هذا حدث فى القاهرة لتوقف التاكسى حتى لو كان به أربعة ركاب! لا أستطيع أن أتحمل الوقوف أكثر من هذا.. إن ضربة الشمس تقترب وبعد قليل قد أفقد الوعى. جريت بأقصى سرعة نحو باب الجمعية لأستريح وأفكر ثم أخرجت زجاجة مياه غمرت بها رأسى. الموقف عبثى بامتياز. من الممكن أن أهلك وأفقد حياتى لو ظللت على الرصيف فى انتظار التاكسى. لم يكن اختراع الأوبر قد ظهر وقتها. أيمكن أن يحدث هذا وأنا فى قلب واحدة من المدن الحديثة ولست فى صحراء الربع الخالى؟ البديل هو أن أنتظر فى الداخل حتى تغرب الشمس ويصبح الخروج ممكنا، لكن كيف هذا وأنا ملتزم بموعد هام وضرورى؟. دخلت فى قلب الجمعية وسألت البائعين إذا كان فى إمكان أحدهم أن يطلب لى «تاكسى» وله الأجر والثواب. يبدو أن وجهى الأحمر ولهفتى قد جعلت أحدهم يخرج هاتفه ويجرى المكالمة المأمولة ثم يبشرنى بأن السيارة فى الطريق. انطلقت نحو الباب ووقفت على السلم داعيا ألا أكون فى طريقى للمرض حيث بدأت أشعر بطنين فى أذنى وصداع يعصف برأسى مع فقدان للتوازن. طال الانتظار ولم يحضر التاكسى. وضعت شنطة المشتريات وجلست على الأرض لا أدرى ماذا أفعل، وكنت أنظر للبشر الذين يملأون المكان متسائلًا: أليس فى وسع أحد من هؤلاء أن يساعدنى.. إننى على استعداد أن أدفع أى مبلغ مقابل أن أعود للفندق. لمحت شابا له ملامح الهنود توجهت نحوه وسألته أن يوصلنى بسيارته بأى مقابل لكنه رفض. نظرت للباقين فوجدت عائلات تتوجه كل منها نحو سيارتها.. لا أستطيع بطبيعة الحال أن أطلب توصيلة من رب أسرة يقل عائلته. الوقت يمضى وحالتى تزداد سوءا. قمت بغمر رأسى بالمياه مثلما كنت أفعل أثناء مناسك الحج وعبرت إلى الرصيف أتطلع إلى السيارات المسرعة. كان التعب قد نال منى وزاده توتر أعصابى مع اقتراب الموعد. دخلت إلى أحد المطاعم فخفّت إلىّ النادلة الآسيوية لتصطحبنى إلى إحدى الموائد. قلت لها: إننى لست جائعا لكنى أحتاج إلى تاكسى وسأدفع لك ثمنا أغلى وجبة عندكم لو ساعدتنى. قالت: كم ستدفع؟ فوجئت بجرأتها ومع ذلك قلت: سأمنحك عشرة دنانير إذا أحضرت لى سيارة أجرة. بدا على ملامحها السرور وطلبت منى أن أنتظر. فى هذه اللحظة اقترب منى شاب كويتى كان يتناول طعامه وحده ويبدو أنه سمع المحادثة. تساءل الشاب عن الحكاية فأخبرته بالموقف العجيب الذى أواجهه. ضحك ودعانى إلى تناول الطعام وقال إنه سيوصلنى. لم أكن فى حالة تسمح بتلبية دعوته فشكرته وطلبت التوصيلة فقط. قام الشاب الكريم بالخروج معى وركبت سيارته وبعد أقل من دقيقة كنت أمام الفندق.
عندما أتذكر الآن هذا اليوم لا أشعر بالامتعاض أو الغضب، إذ إننى قد كسبت صديقا ما زال الود بينى وبينه متصلا، وهو المكسب الذى حققته من الخروج تحت الشمس الحارقة فى ذلك اليوم القائظ.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شبح الموت في أغسطس شبح الموت في أغسطس



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt