توقيت القاهرة المحلي 07:21:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بين الفلسفة والأدب

  مصر اليوم -

بين الفلسفة والأدب

بقلم:أسامة غريب

كان موقف الفلاسفة اليونانيين من الأدب حادًّا ورافضًا على نحو يبدو لنا اليوم شديد الغرابة. لم يتعاطَ أفلاطون مع الشعر والمسرح إلا بحسبانه محاكاة كاذبة للواقع، وهذه المحاكاة من شأنها أن تجهض الجهد الذى تقوم به الفلسفة، التى تنحو نحو فهم الإنسان لذاته ومحاولته اتخاذ العلم منهجًا يدفع الحياة إلى الأمام. أما الأشعار والقصائد فمن شأنها تشويش الذهن وتفريغ العقل من الفهم الصحيح للكون وحقائق الحياة. لم يختلف موقف أفلاطون عن موقف أستاذه سقراط، كما لم يدفع أرسطو بأى رؤية مخالفة للموقف العدائى المناوئ الذى اتخذه الفلاسفة من الأدب. ومن العجيب أن هذا الموقف، الذى قامت الأيام والأزمان والحقب بتفكيكه وتغييره، يتشابه مع نفس الموقف الذى يتخذه المتشددون الإسلاميون كالوهابيين والدواعش ومَن لف لفهم من الأدب، فهؤلاء يرون أيضًا أن الأعمال الأدبية والروايات والقصص تحكى للناس أشياء غير حقيقية ولم تحدث فعلًا بمعنى أنها أكاذيب يسوقها الأديب، وبما أن الكذب محرّم فى الإسلام، فالأدب أيضًا ممنوع قراءته، والأفضل أن يقوم الناس بقراءات نافعة.. وهنا يفترق الموقف السلفى الوهابى من الأدب عن الموقف الفلسفى اليونانى، إذ إن فلاسفة الإغريق كانوا يحذرون من الأدب والشعر والمسرح لأنه يبطل عمل الفلسفة ويعطل دورها فى المجتمع، بينما الإسلاميون المتشددون يعادون الفلسفة بأكثر من معاداتهم للفن والأدب ويحرمون كل ما أبدعه العقل الإنسانى ويضعونه فى مقابل النصوص الدينية، على الرغم من عدم وجود تناقض بين احترام النص الدينى والاستمتاع بالرواية والقصة والقصيدة والفيلم والمسرحية واللوحة.

والمثير للتأمل أن الفلسفة الإسلامية لم تتخذ نفس الموقف الإغريقى من الأدب والشعر، وإنما كان للفلاسفة العرب إسهامات شعرية احتوت مواقفهم الفلسفية وأبرزتها، وتذكر أمهات الكتب أعمال «أبوحيان التوحيدى»، وله مُصنَّف كبير فى تصوف الحكماء، وكتاب سماه «البصائر والذخائر» وكذلك المقابسات. أما أبوالعتاهية فعُرف بأشعاره التى أودعها الحكمة، وجعلها تحمل رؤيته الخاصة للحياة والموت، فهو القائل: الشيب كرهٌ وكرهٌ أن يفارقنى.. أعجب بشىءٍ على البغضاء مودودُ.

والقائل: خليلىَّ إن لم يغتفر كل واحدٍ.. عثار أخيه منكما فترافضا/ وما يلبث الحِبّانِ إن لم يجوّزا.. كثيرًا من المكروه أن يتباغضا.

وتحفل الفلسفة الإسلامية بأشعار الإمام الغزالى، ومنها: أخذتَ بأعضادهم إذ ونوا.. وخلفك الجهدُ إذ أسرعوا/ وأصبحت تهدى ولا تهتدى.. وتُسمع وعظًا ولا تسمعُ/ فيا حجر الشحذ حتى متى.. تسن الحديدَ ولا تقطعُ.

كذلك إسهامات محيى الدين بن عربى الفلسفية كان للشعر فيها نصيب وافر، فهو القائل: بذكر الله تزداد الذنوبُ.. وتحتجب البصائر والقلوبُ/ وتركُ الذكرِ أفضل منه حالًا.. فإن الشمس لها غروبُ.

والذين يفسرون كلامه على محمل نبيل يقولون: إنما يُذكر الغائب، والله تعالى حاضر لا يغيب، وإن ذكره يدل على بُعد عن ذاته وجلاله، والبُعد حرمان يدل على كثرة الذنوب، والبُعد عن الذات طمس فى البصائر وظلمات فى القلوب. أما الإخوة الذين يأخذون بحرفية القول للدلالة على كفر القائل، فهم الذين لا يفهمون الفلسفة ولا يقرأون الأدب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بين الفلسفة والأدب بين الفلسفة والأدب



GMT 06:23 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

شرقٌ لا شرقَ بعده

GMT 06:21 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عون في البيت الأبيض: زيارة الطلاق مع إيران

GMT 06:18 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عندما لا يكون لديك غير سلاحٍ واحد!

GMT 06:15 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

هل باحَ عراقجي بالأسرار؟!

GMT 06:10 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

إيران... مشكلة معيشية على آخر نَفَس!

GMT 06:07 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

انحسار مياه النيل يعيد جدل سد النهضة

GMT 06:03 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

«اعترافات جنبلاط» ودروسٌ من التاريخ

GMT 06:00 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مسلة فرعونية في باريس!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt