بقلم:أسامة غريب
بمناسبة الزيارة التى يعتزم ترامب القيام بها إلى الصين نشير إلى أن الحرب الاقتصادية التى تدور رحاها بين العملاقين قد بدأها ترامب عندما تحرش بالصين منذ خطا داخل البيت الأبيض أثناء ولايته الأولى، ويبدو أن الاختلال فى الميزان التجارى مع الصين قد أغضبه مما حدا به إلى فرض رسوم مرتفعة بهدف الحد من قدرة السلع الصينية على المنافسة فى السوق الأمريكية، لكن ما لم يتحسب له ترامب أن الصين قد ترد بالمثل وتفرض رسوماً على وارداتها من أمريكا وهو الأمر الذى لم يتوقعه الرئيس الأمريكى ويبدو أنه لقصور تفكيره السياسى قد تصور أنه يتعامل مع واحدة من الدول التى تحقق له أحلامه وليس أوامره، ربما قبل أن يحلم بها!. ومن الواضح أن العقوبات التى ينثرها ترامب فى كل اتجاه قد استفزت روسيا كما استفزت الصين وكلتاهما تضع نصب عينيها أن تستغنى عن الدولار الأمريكى فى المستقبل المنظور.
ليس هذا فقط ما الصين قادرة عليه لكن هناك سلاحاً أخطر تملكه هو سلاح المعادن النادرة، وهذا المصطلح يشير إلى مجموعة من المعادن غير المشهورة التى لا يسهل استخراجها ولهذا فقد ظلت حبيسة داخل باطن الأرض حتى أمكن التعامل معها بالاستخراج والتنقية عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. من هذه المعادن: سكانديوم وإيتريوم وأربيوم وثوليوم وهولميوم وغيرها، وهى أسماء غريبة على السمع لكن المتخصصين فضلاً عن رؤساء الدول الكبرى يدركون قيمتها ويعرفون أنها ضرورية فى صناعة الأسلحة كمدافع الليزر ووسائل توجيه الصواريخ والاستشعار بالسونار وفى غزو الفضاء وكذلك فى الصناعات الدقيقة كصناعة الهواتف والتليفزيونات وألواح الطاقة الشمسية وشرائح الكمبيوتر. كانت الولايات المتحدة هى الأولى فى دنيا المعادن النادرة، غير أن الصين غيرت المعادلة ونجحت فى استخراج تلك المعادن من أراضيها بكثافة كما استحوذت على مناجم ومصانع فى دول عديدة، وأيضًا شاركت فى ملكية مصانع لتنقية المعادن من الشوائب فى الولايات المتحدة ذاتها! ومن خلال هذا كله فقد أصبحت الصين منذ التسعينيات تستحوذ على ٧٠ بالمائة من الإنتاج العالمى للمعادن النادرة، لهذا فقد كان أول قرار للصين رداً على التحرش الأمريكى بشركة هواوى الصينية للهواتف هو وقف تصدير المعادن النادرة للولايات المتحدة.
ملف المعادن النادرة التى تحتاجها الولايات المتحدة من الصين هو واحد من الملفات الشائكة التى أوصى المعنيون فى واشنطن رئيسهم بإثارتها أثناء الزيارة وإحراز تقدم بها، هذا طبعًا بخلاف الموضوعات الأخرى كالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ومضيق هرمز الذى أشعل إغلاقه جنون ترامب الذى لا ينقصه الجنون.
مشكلة الدولة الأمريكية العميقة أنها لا تستطيع أن ترتكن إلى الرئيس المختل فى التناول السليم للأمور أثناء المفاوضات، فهو قد يستظرف أو يتطاول على الصينيين بينما يظن نفسه من الظرفاء، وهذا قد يختم الزيارة أسوأ ختام، فالصينيون لا يحبون الاستظراف ولا يقبلون الإهانة المغلفة بالكوميديا التى أدمن هذا الرجل فرضها على الجميع داخل بلاده وخارجها.