توقيت القاهرة المحلي 23:26:46 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الغُربة نار كاوية

  مصر اليوم -

الغُربة نار كاوية

بقلم - أسامة غريب

فى أحد بلدان الخليج، كنت أقف بالشارع فى انتظار تاكسى، عندما سمعت صوتًا مصريًا يتحدث صاحبه فى المحمول بانفعال. كان الصوت عاليًا بدرجة ملحوظة، ووضح انهماك صاحبه فى المكالمة لدرجة عزلته عما حوله. رأيت وجهه يحتقن بشدة وهو يقول: أنا لست مغفلًا.. عندما أسألك مالك يجب أن تردى بصدق فى الحال.. لا أريد ملاوعة.. لا لا.. صوتك لا يقول أنك بخير.. هل تظنينى لا أعرفك؟.. لا أحد يفهمك مثلى، إننى أعرف من نبرة صوتك متى تكذبين.. هناك شىء لا تريدين إخبارى به.. قولى لى ما هو.

نسيتُ أمر التاكسى الذى أنتظره وأصختُ السمع للمكالمة التى ظهر لى أن صاحبها الشاب يتحدث إلى امرأته فى مصر، وشعرت بتعاطف عجيب مع المتحدث الذى طلب زوجته أو خطيبته ليسألها عن الأحوال، فإذا بها تجيبه بلهجة لا تدعو للطمأنينة، ثم لا تريحه فتشرح له ما يكدرها. استمع الفتى لصوتها على الناحية الأخرى ثم قال فى أسى: هل تعلمين أنك كلما قلتِ لى لا تشغل بالك ازداد بالى انشغالًا.

وكلما قلت لى مافيش حاجة أيقنت أن هناك ألف حاجة؟.. أنا أسألك ببساطة: مالك؟.. بعد ذلك تحشرج صوته وغص وهو يقول دامعًا: هل تعرفين أننى هنا أطفح الدم وأعيش عيشة الكلاب من أجل سداد أقساط الشقة، وكل ما أريده منك أن تردى على المكالمة بشكل طبيعى لا يحطم أعصابى..أما وقد قلتِ أنا كويسة بشكل مراوغ مليء بالتنهدات، فالواجب أن تكملى وتحكى لى ما حدث.. هل عاد الرجل إياه إللى مضايقتك من جديد؟ نعم؟.. ماذا تقولين؟ ارفعى صوتك أنا لا أسمعك.

أخذ الشاب يلف حول نفسه وهو يجز على أسنانه ويعيد على المرأة الأسئلة علّه يظفر منها بما يريحه ويجعله يعود ساكنًا إلى البيت فينام ليطوى ليلة من ليالى الغربة.

أشفقت على هذا الشاب وأحسست بتعاطف جارف مع حالته.. إنه ببساطة يشعر أن غيابه من أجل توفير الأمان قد فعل العكس، ورفع مظلة الأمان عن أحبائه. كلنا نعرف الناس القريبين منا وندرك أن «الحمد لله» الطبيعية تختلف عن «الحمد لله» الممطوطة التى يتأرجح قائلها بين البوح والكتمان. المسافر المتغرّب عن أهله مثله مثل السجين بالضبط، تحجبه عن أحبائه قضبان المسافة واختلاط الحقائق بالأوهام فى ذهنه، وقد ترك فى الوطن أناسًا لا يعرف ما فعل بهم الزمن فى غيابه.

أكثر ما يؤلم المسافر المتغرب هو علمه أن الجميع سيحرص على إخفاء الأخبار السيئة عنه، والحقيقة أن هذا بالضبط ما يقتله. لو أنهم يخبرونه بكل شىء دون أن يحرصوا على مشاعره، إذن لحقنوا أدرينالينه الذى ينساب، وأعصابه التى تتآكل، ودمه الذى يحترق وهو يستنطقهم ساعيًا لاستخراج الحقيقة منهم.

إن الإمام المُجاهد الذى قال «إن منفاىَ سياحة، وسجنى خلوة» لم يجرب أن يجرى مكالمة لا تبل الريق من خارج الديار مع من يحب، ثم تنتهى وقد قلبت كيانه وزرعت الشك والقلق فى عروقه. حقًا.. الغربة نار كاوية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الغُربة نار كاوية الغُربة نار كاوية



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 14:25 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

نانسي عجرم تتألق بإطلالات ربيعية ساحرة

GMT 17:06 2022 الإثنين ,26 كانون الأول / ديسمبر

وزير العدل المصري يتحدث عن آخر التطورات بشأن توثيق الطلاق

GMT 16:44 2025 الخميس ,18 أيلول / سبتمبر

لاعبين يسجلون غيابا عن الزمالك أمام الإسماعيلي

GMT 04:47 2024 الجمعة ,03 أيار / مايو

معرض الدوحة الدولي للكتاب ينطلق في 9 مايو

GMT 02:54 2017 السبت ,11 شباط / فبراير

محمد الضمور يوضح فكرة "مسرح الخميس"

GMT 07:53 2020 الخميس ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

باخ يتوجه إلى اليابان للتأكيد على إقامة أولمبياد طوكيو

GMT 02:49 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

"إنفينيتي" تعلن عن نوعين من محركات السيارات الكهربائية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt