توقيت القاهرة المحلي 13:37:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأزمة في المثقفين العرب

  مصر اليوم -

الأزمة في المثقفين العرب

بقلم:ممدوح المهيني

إذا نشر مثقف فرنسي قصيدة أو كتب رواية، يتحول بعدها إلى متحدث في شؤون الكون؛ من السياسة إلى الاقتصاد إلى التكنولوجيا والعلم، بالإضافة بالطبع إلى الثقافة على أنواعها وتأملات في مستقبل البشرية. هذا ما يقوله الكاتب كارلوس ألبرتو مونتانير في كتاب «الثقافات وقيم التقدم».

ليس بالطبع كل المثقفين، ولكنها سمة عامة. لا مشكلة بهذا الوعظ الثقافي المجاني والبحث عن دور، لو لم يكن له تأثير على الوعي. ليس بالضرورة أن كل ما يقوله المثقفون صحيح، بل على العكس قد يُسمِّم الأفكار ويُعطِّل التقدم. ويضيف الكاتب أن مثقفي دول أميركا اللاتينية تأثروا بهذا «المرض» الفرنسي، فأصبحوا يُفتون في كل العلوم والفنون، والمأساة أن أفكارهم كانت مضرّة ومدمِّرة لمجتمعاتهم.

من أخطر هذه الأفكار التي يروجون لها؛ معاداة الغرب وقيم السوق والعولمة والثقافة العقلانية. أغلب الدول الثرية في قائمة العشرين هي دول غربية، وقيم السوق والعولمة هي التي صنعت عالمنا اليوم، والثقافة العقلانية العلمية هي أساس نجاح المجتمعات. يعظون ضد القيم التي جعلت أكثر هذه الدول ناجحة، ويُحدثون ضرراً فادحاً في طريقة تفكير مجتمعاتهم.

تحولت الصحف والمجلات والتلفزيونات إلى معامل لإنتاج هذه الأفكار ونشرها على أوسع نطاق. تروّج لنظرية التبعية، وتُحذر من مخاطر العولمة الخفية، وتتحدث عن مخاطر الشركات والمؤامرات الشريرة التي تُحاك في واشنطن ولندن ضد شعوبهم.

الجامعات والمعاهد والمدارس أصبحت مراكز لإنتاج الفكر اليساري الثوري. بدل أن تصبح الجامعات مراكز للأفكار الجديدة الخلّاقة المرتبطة بالعصر، التي تخلق أجيالاً لديها المهارات والقدرات النقدية، خلقت أجيالاً ناقمة وغير صالحة لمتطلبات السوق. المفارقة أن هذه الجامعات والمعاهد الأكاديمية مموَّلة بأموال دافعي الضرائب. أي إن الأهالي يدفعون أموالاً للإضرار بأبنائهم! ولهذا لا غرابة أن غالبية مجتمعات ودول أميركا اللاتينية تعاني من الفشل والفقر، لأسباب عديدة بالطبع، ولكنْ للنخب المثقفة دور بارز فيها.

شيء مشابه يحدث لدينا. المثقفون العرب هم العلّة. وبغضّ النظر عن استثناءات مضيئة، فقد قاموا تقريباً بشيء مشابه لما فعله المثقفون في دول أميركا اللاتينية. أفكار مثل المظلومية، والعداء للغرب، والمؤامرات الشيطانيّة، والاستعمار والإمبريالية، وشرور العولمة، ومحاربة التفكير العقلاني، تسربت إلى أعماق الثقافة بسببهم حتى أصبح التخلص منها صعباً.

والشيء نفسه تقريباً في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام ومنصات التواصل؛ إعادة الترويج لهذه الأفكار مستمرة ولا تتوقف. في الجامعات التي يذهب إليها الطلاب ويدفعون ثمنها، تُزرع هذه الأفكار البالية! حدث ذلك منذ عقود طويلة، ولا تزال قطاعات عريضة من المجتمعات تعتقد أن هناك مؤامرات تُحاك ضدها رغم أنها ترزح تحت خط الفقر! لا نلوم بالطبع المجتمعات، فهم ضحية للأفكار التي نشرها هؤلاء المثقفون الذين يتحدثون عن الاستعمار رغم أنه انتهى في الدول العربية قبل أكثر من نصف قرن، ويسمون الهزيمة نكسةً أو رضَّةً!

بالطبع، المثقفون العرب ليسوا وحدهم من يتحمل المسؤولية، لكنهم يتحملون وزراً كبيراً. الملاحَظ أنه كلما تراجع تأثير هؤلاء المثقفين على مجتمع معين، تقدم أكثر، لأنه ببساطة يتخلص من المخدرات الفكرية التي يبتلعها. هذه الظاهرة الثقافية تتحول إلى مزيج قاتل إذا تحالفت مع ظاهرة المتطرفين من كل الطوائف؛ فيتحولون إلى عزف الأغنية ذاتها على إيقاعات مختلفة.

التخلص من تأثير هؤلاء المثقفين ضروري لكل مجتمع ودولة تريد أن تنجح، وأن تتبنى قيم العقلانية وقيم العصر الحديث، بعيداً عن أوهام المؤامرات والاستهداف والاضطهاد

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأزمة في المثقفين العرب الأزمة في المثقفين العرب



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt