توقيت القاهرة المحلي 19:39:38 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأزمة في المثقفين العرب

  مصر اليوم -

الأزمة في المثقفين العرب

بقلم:ممدوح المهيني

إذا نشر مثقف فرنسي قصيدة أو كتب رواية، يتحول بعدها إلى متحدث في شؤون الكون؛ من السياسة إلى الاقتصاد إلى التكنولوجيا والعلم، بالإضافة بالطبع إلى الثقافة على أنواعها وتأملات في مستقبل البشرية. هذا ما يقوله الكاتب كارلوس ألبرتو مونتانير في كتاب «الثقافات وقيم التقدم».

ليس بالطبع كل المثقفين، ولكنها سمة عامة. لا مشكلة بهذا الوعظ الثقافي المجاني والبحث عن دور، لو لم يكن له تأثير على الوعي. ليس بالضرورة أن كل ما يقوله المثقفون صحيح، بل على العكس قد يُسمِّم الأفكار ويُعطِّل التقدم. ويضيف الكاتب أن مثقفي دول أميركا اللاتينية تأثروا بهذا «المرض» الفرنسي، فأصبحوا يُفتون في كل العلوم والفنون، والمأساة أن أفكارهم كانت مضرّة ومدمِّرة لمجتمعاتهم.

من أخطر هذه الأفكار التي يروجون لها؛ معاداة الغرب وقيم السوق والعولمة والثقافة العقلانية. أغلب الدول الثرية في قائمة العشرين هي دول غربية، وقيم السوق والعولمة هي التي صنعت عالمنا اليوم، والثقافة العقلانية العلمية هي أساس نجاح المجتمعات. يعظون ضد القيم التي جعلت أكثر هذه الدول ناجحة، ويُحدثون ضرراً فادحاً في طريقة تفكير مجتمعاتهم.

تحولت الصحف والمجلات والتلفزيونات إلى معامل لإنتاج هذه الأفكار ونشرها على أوسع نطاق. تروّج لنظرية التبعية، وتُحذر من مخاطر العولمة الخفية، وتتحدث عن مخاطر الشركات والمؤامرات الشريرة التي تُحاك في واشنطن ولندن ضد شعوبهم.

الجامعات والمعاهد والمدارس أصبحت مراكز لإنتاج الفكر اليساري الثوري. بدل أن تصبح الجامعات مراكز للأفكار الجديدة الخلّاقة المرتبطة بالعصر، التي تخلق أجيالاً لديها المهارات والقدرات النقدية، خلقت أجيالاً ناقمة وغير صالحة لمتطلبات السوق. المفارقة أن هذه الجامعات والمعاهد الأكاديمية مموَّلة بأموال دافعي الضرائب. أي إن الأهالي يدفعون أموالاً للإضرار بأبنائهم! ولهذا لا غرابة أن غالبية مجتمعات ودول أميركا اللاتينية تعاني من الفشل والفقر، لأسباب عديدة بالطبع، ولكنْ للنخب المثقفة دور بارز فيها.

شيء مشابه يحدث لدينا. المثقفون العرب هم العلّة. وبغضّ النظر عن استثناءات مضيئة، فقد قاموا تقريباً بشيء مشابه لما فعله المثقفون في دول أميركا اللاتينية. أفكار مثل المظلومية، والعداء للغرب، والمؤامرات الشيطانيّة، والاستعمار والإمبريالية، وشرور العولمة، ومحاربة التفكير العقلاني، تسربت إلى أعماق الثقافة بسببهم حتى أصبح التخلص منها صعباً.

والشيء نفسه تقريباً في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام ومنصات التواصل؛ إعادة الترويج لهذه الأفكار مستمرة ولا تتوقف. في الجامعات التي يذهب إليها الطلاب ويدفعون ثمنها، تُزرع هذه الأفكار البالية! حدث ذلك منذ عقود طويلة، ولا تزال قطاعات عريضة من المجتمعات تعتقد أن هناك مؤامرات تُحاك ضدها رغم أنها ترزح تحت خط الفقر! لا نلوم بالطبع المجتمعات، فهم ضحية للأفكار التي نشرها هؤلاء المثقفون الذين يتحدثون عن الاستعمار رغم أنه انتهى في الدول العربية قبل أكثر من نصف قرن، ويسمون الهزيمة نكسةً أو رضَّةً!

بالطبع، المثقفون العرب ليسوا وحدهم من يتحمل المسؤولية، لكنهم يتحملون وزراً كبيراً. الملاحَظ أنه كلما تراجع تأثير هؤلاء المثقفين على مجتمع معين، تقدم أكثر، لأنه ببساطة يتخلص من المخدرات الفكرية التي يبتلعها. هذه الظاهرة الثقافية تتحول إلى مزيج قاتل إذا تحالفت مع ظاهرة المتطرفين من كل الطوائف؛ فيتحولون إلى عزف الأغنية ذاتها على إيقاعات مختلفة.

التخلص من تأثير هؤلاء المثقفين ضروري لكل مجتمع ودولة تريد أن تنجح، وأن تتبنى قيم العقلانية وقيم العصر الحديث، بعيداً عن أوهام المؤامرات والاستهداف والاضطهاد

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأزمة في المثقفين العرب الأزمة في المثقفين العرب



GMT 05:25 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

ترامب فى قبضة الشيطان

GMT 05:24 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!

GMT 05:22 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

اللون الأزرق والتوحد

GMT 05:21 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

إفطار جمعية الإعلاميين!

GMT 05:20 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

اعتذار الصواريخ رسالة تهدئة أم مناورة؟

GMT 05:19 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

كراهية البشر والحجر

GMT 05:18 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

ترامب يتحسس مقعده

GMT 05:17 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

فرصة أخيرة) ولماذا حذف اسمى «حميدة ولطفى»؟!

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"

GMT 10:53 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

مقتل طبيب مصري فى ليبيا على يد مرتزقة أردوغان

GMT 08:17 2019 الخميس ,03 كانون الثاني / يناير

مدحت صالح يكشف أسباب عمله في الملاهي الليلية

GMT 09:56 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

مكافأة غريبة تقدمها شركة "تسلا" لملاك سياراتها

GMT 09:35 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

رئيس الوزارء اليونانى اليكسيس تسيبراس يزور اهرامات الجيزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt