توقيت القاهرة المحلي 11:54:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لماذا توجد دولٌ غنيَّة ودولٌ فقيرة؟ الدولة والعدالة الوهمية (3)

  مصر اليوم -

لماذا توجد دولٌ غنيَّة ودولٌ فقيرة الدولة والعدالة الوهمية 3

بقلم:ممدوح المهيني

يرى توماس سويل أنَّ الدولة ليست عدوّاً للثروة ولا صديقةً لها بطبيعتها، بل هي أداة يمكن أن تكونَ حاضنة للثروة أو مدمّرة لها، حسب مدى احترامها للقانون والمؤسسات. فحين توفّر الدولةُ بيئة مستقرة تحمي الملكية وتضمن العدالة وتكافئ الكفاءة، تصبح رافعةً وداعمة للثروة. أمَّا حين تضعف مؤسساتها، ويستشري فيها الفساد، وتتحوَّل مركزَ امتيازات، فإنَّها تقتل روحَ المبادرة وتخنق الخيال.

ويضرب سويل أمثلة حيّة من التاريخ الحديث:

الكوريتان الشمالية والجنوبية تمثلان مختبراً مثالياً لفكرته. فهما شعب واحد ولغة واحدة وثقافة مشتركة، لكن النظامين الاقتصاديين والسياسيين جعلا مصيرهما متناقضاً. كوريا الجنوبية تبنّت اقتصاد السوق والانفتاح، فأنشأت صناعة متقدمة وصادرات عالمية، بينما غرقت كوريا الشمالية في الفقر والمجاعة نتيجة لاقتصادها المركزي الموجّه.

الشيء نفسه حدث بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية. الأولى اعتمدت اقتصاد السوق وازدهرت بسرعة، بينما الأخرى، الخاضعة للنظام الاشتراكي، ظلت تعاني الركود والفقر حتى لحظة الوَحدة.

كذلك سنغافورة وغانا اللتان استقلّتا في الفترة نفسها تقريباً: سنغافورة، بفضل قيادة لي كوان يو، بنت دولة قانون وكفاءة وجودة، بينما غرقت غانا في الفساد والمحسوبية والشعبوية.

أما تجربة تشيلي، فتمثل مختبراً قاسياً لفكرة سويل عن العلاقة بين الحرية الاقتصادية والسياسية. في السبعينات، حاولت حكومة سلفادور أليندي تطبيق اشتراكية ديمقراطية من خلال تأميم المصانع والمصارف، ورفع الأجور وتجميد الأسعار باسم العدالة الاجتماعية. لكن خلال عامين فقط انهار الاقتصاد، وامتلأت الشوارع بالطوابير، واختفت السلع. بعد الانقلاب عام 1973، جاء نظام بينوشيه العسكري، الذي استعان بمجموعة من الاقتصاديين الشباب المتأثرين بمدرسة شيكاغو، ليقوم بإصلاحات جذرية: خصخصة الشركات، تحرير التجارة، تثبيت العملة، وتشجيع الادخار. في البداية كانت التكلفة باهظة، لكن خلال عقد واحد تحولت تشيلي واحدةً من أكثر الاقتصادات استقراراً في أميركا اللاتينية. يقول سويل: «الفقر لا يخلق الحرية، ولا العدالة تنمو على الأرض الخاوية. كان على تشيلي أن تختار أولاً أن تنجو، ثم تناقش شكل حريتها».

وفي المقابل، يقدم مثال كوبا التي مثلت النقيض التام. بعد ثورة كاسترو عام 1959، وعد النظام بعدالة اجتماعية مطلقة، وحقق إنجازات لافتة في التعليم والرعاية الصحية، لكنه صادَر الحوافز الفردية باسم المساواة. حينما يتقاضى العامل المجتهد والعامل الكسول الأجر ذاته، يختفي معنى الجهد، وتنهار روح العمل. يقول سويل: «هذه ليست مشكلة اقتصادية، بل مأساة أخلاقية. حين يُلغى التفاوت المشروع، يُقتل الطموح». خلال عقدين، أصبح الاقتصاد الكوبي يعتمد كلياً على دعم الاتحاد السوفياتي، وحين انهار الاتحاد في التسعينات، دخلت الجزيرة في مجاعة اقتصادية خانقة.

بهذه الأمثلة، يوضح سويل أن المشكلة ليست في وجود الدولة، بل في دورها. فالدولة التي تتحول من حكم محايد إلى طرف يمنح الامتيازات ويسحبها بناء على القربى والعلاقات، تغيّر طبيعة الثروة نفسها من نتيجة للعمل إلى نتاج للنفوذ. حينها يفقد العمل معناه، ويبدأ الناس في البحث عن الطرق المختصرة. في مثل هذه المجتمعات، يصبح الفساد ليس انحرافاً عن النظام، بل هو جزء منه.

ويقول سويل إن المجتمعات التي تُخنق فيها روح المنافسة تفقد أهم شرط لبناء الثروة: الثقة بالمستقبل. فحين لا يرى الفرد رابطاً بين الجهد والمكافأة، يختفي الحافز للإنتاج، ويتحوّل الاقتصاد دائرةً من الاعتماد والجمود. عند هذه النقطة، لا يعود الفقر مسألة موارد، بل مسألة خيال؛ فالثروة قبل أن تكون مصانع وبنوكاً هي جرأة على الفعل والمبادرة والتجديد.

ينتقد سويل أيضاً التفسير الآيديولوجي للفقر، سواء من اليسار أو اليمين.

اليسار يراه نتيجة ظلم بنيوي، وكأن الأغنياء لا يملكون إلا لأنهم سلبوا الآخرين. هذا التفسير يلغي الزمن والتراكم والمعرفة والعادات، ويختزل التاريخ في صراع ظالم ومظلوم. أما اليمين، فيفسر الفقر بالكسل أو ضعف الإرادة، متجاهلاً أن الأفراد يولدون داخل ثقافات ومؤسسات تصوغ رؤيتهم لأنفسهم وللجهد والمكافأة.

الفقر، في نظر سويل، ليس مؤامرة خارجية، بل نتيجة تفاعل معقد بين الثقافة والبيئة والدولة والتاريخ.

المشكلة أن السياسة، بدوافعها الانتخابية والشعبوية، تقدم دائماً وصفات سريعة تحت شعار «العدالة الاجتماعية» و«دعم الفقراء»، لكنها لا تمس الجذور. تعطي المال ولا تغيّر العقول. وهكذا يعود الفقر بعد كل دورة سياسية.

ويضرب مثالاً ببرنامج الحرب على الفقر في الولايات المتحدة الذي أطلقه الرئيس جونسون في الستينات. فقد أنفقت الحكومة مليارات الدولارات على الإعانات والسكن والرعاية الصحية والتعليم، لكن بعد عقدين، لم تختفِ الطبقة الفقيرة، بل ازدادت اعتماداً على الدولة. الدعم، كما يقول سويل، تحوّل إعاقةً: خلق طبقة واسعة تعيش على الإعانات بدل العمل. النوايا الطيبة لا تجلب بالضرورة النتائج الجيدة.

ويرى سويل أن المساعدات الدولية تسير في الاتجاه نفسه. فالهبات التي تقدمها الدول الغنية للدول الفقيرة لم تخرجها من فقرها، بل أضعفت قدرتها على الإصلاح الذاتي. فحين يحصل مجتمع على المال مجاناً، يتعلم الاعتماد لا الإنتاج.

فالمساعدات، حسب الكاتب، «تُبقي الفقراء على قيد الحياة، لكنها لا تخرجهم من الفقر».

الفقر، كما يراه، ليس نقصاً في المال، بل في الثقة بالزمن. الفقير الذي لا يثق بالغد لا يدخر ولا يستثمر. وإذا جاءت المساعدات لتسد الفجوة بين الجهد والنتيجة، فإنها تقتل الشرط النفسي لبناء الثروة: الإيمان بأن العمل والكد يغيّران الواقع.

من هنا، يدعو سويل إلى إعادة تعريف المساعدة: ليست تلك التي تمنح المال، بل التي تبني المؤسسات والتعليم والثقة بالمستقبل. فالثروة لا تُصنع بالمنح، بل بالقيم والمؤسسات التي تحفّز على الإنتاج.

ويلخص فكرته الأساسية بالقول: «لا توجد أمة محكوم عليها بالفقر. القوانين، والثقافة العملية، والمؤسسات القوية قابلة للتكرار».

الفقر هو الطبيعي عبر التاريخ البشري والخروج منه وتشكيل ثروة هو الأمر الجديد. من الخطأ السؤال: كيف تشكل الفقر؟ لكن الصحيح هو: كيف تشكلت وتولدت الثروة في مجتمعات بعينها؟ ليس عن طريق الإعانات ولا العدالة الوهمية ولا توزيع الثروة. كل هذه الحلول، رغم رومانسيتها، عقَّدت المشكلة بدل أن تحلها.

في النهاية، لا يرى توماس سويل أن الثروة لغز غامض أو هبة من السماء، بل نتيجة لمسار طويل من بناء المعرفة والعادات والمؤسسات. فالأمم التي نجحت لم تكن أغنى بالموارد، بل أذكى في التعامل معها، والأمم التي فشلت لم تكن أفقر بالضرورة، بل أضعف في بناء الثقة بين الجهد والمكافأة. لا يوجد تفوق عرقي وجيني. الأمم متساوية، ولكن الفرق أن بعضها عرف كيف يشكّل معرفة متراكمة، وأخرى لم تنجح وهو يقدم لها الطريقة الصحيحة حتى لو كانت صريحة أو حتى جارحة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا توجد دولٌ غنيَّة ودولٌ فقيرة الدولة والعدالة الوهمية 3 لماذا توجد دولٌ غنيَّة ودولٌ فقيرة الدولة والعدالة الوهمية 3



GMT 08:36 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

شروط القمرة

GMT 08:34 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بداية النهاية للترمبية كما تزعم «واشنطن بوست»؟!

GMT 08:32 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

GMT 08:29 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 08:26 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 08:23 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الطاقة في الأراضي الفلسطينية

GMT 08:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

عن تقلّبات الطقس والسياسة

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الولادات شاغلة البال عربياً ودولياً

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 09:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل
  مصر اليوم - أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل

GMT 11:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
  مصر اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 10:58 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يمثل أمام المحكمة للرد على تهم الفساد للمرة الـ 75
  مصر اليوم - نتنياهو يمثل أمام المحكمة للرد على تهم الفساد للمرة الـ 75

GMT 14:11 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 02:31 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الجليسيرين المكوّن السحري لترطيب البشرة وحمايتها

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟

GMT 07:29 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور موسم خريف وشتاء 2025-2026

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 02:22 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

تأثير ألعاب الفيديو على الدماغ

GMT 10:11 2023 الخميس ,13 إبريل / نيسان

موضة الأحذية في فصل ربيع 2023

GMT 21:55 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

الزمالك يفوز على الزهور 89-51 في دوري كرة السلة

GMT 07:12 2021 الإثنين ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

الدكتور خالد العناني يستعرض تاريخ وقصة اكتشاف معبد أبو سمبل

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 09:30 2017 الأحد ,04 حزيران / يونيو

تعرفِ على طريقة عمل الدجاج على الجمر

GMT 16:48 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الكشف عن قميص المنتخب المصري في مونديال روسيا 2018

GMT 19:18 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

ناسا تخطط لبناء مفاعل نووي على سطح القمر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt