توقيت القاهرة المحلي 13:37:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الآلام النفسية السورية

  مصر اليوم -

الآلام النفسية السورية

بقلم:ممدوح المهيني

صورة الطفل السوري الغارق آلان كردي هزّت العالم في وقتها. لا بد أن تتساءل بعد أن تشاهدها: لماذا يموت هذا الملاك الصغير بهذه الطريقة؟ منكبّاً على وجهه المنغمس في رمال البحر الباردة. ثم رأينا بعد ذلك الطفل عمران وهو مصاب بالفزع من القصف والدماء تلطّخ وجهه. هذه الأحداث تجعلك تشكّك بجدوى ومنطقيّة الحياة. ولكن العدالة أخذت - بفضل الله - مجراها في النهاية. هؤلاء الأطفال في بلدهم، والأسد منفيٌّ وهارب، ومعزول في شقّته الفاخرة.

عندما روى بعض هؤلاء الصغار المُعذَّبين قصصهم في احتفال سقوط الأسد وأبكوا الحاضرين، شعرتُ بكمّ الآلام والندوب العميقة في النفسيّة السورية. سنوات طويلة من الحكم البوليسي الرهيب ستترك خلفها جروحاً عميقة تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تُعالج. ولا يعني هذا أن دولنا العربية واحات للحريات، ولكن الأنظمة البوليسية - مثل نظام الأسد - التي تسحق قيمة الإنسان وتفقِره وتُعذّبه وتفتقد لأبسط درجات العدالة والأخلاقيات، لا يمكن أن تستمر. وستظلّ مصدراً للقلاقل والفوضى والابتزاز على المستوى السياسي، ورحيلها مفيد للدول الناجحة التي تبحث عن الاستقرار والتركيز على التنمية.

مهمة الرئيس السوري أحمد الشرع مفصلية وتاريخية وليست سهلة. عندما احتضنه هؤلاء الأطفال والصغار الدامعون، فإنهم يرون فيه الرجل القادر على تخليصهم من تلك الذكريات المظلمة والأوجاع العميقة.

رجال الدولة المخلِصون والصادقون هم القادرون على طيّ هذا الفصل المُظلم من التاريخ السوري: كيف يثبت حكمه ويحافظ على وحدة بلاده من الساعين إلى تمزيقها، وكيف يعيد بناءها من جديد، وكيف يستقطب الكفاءات ويُبعد المنافقين ويحارب الفاسدين، وكيف يكسب ثقة القلقين ويجمع المختلفين، ويقف في وجه المخربين، ويضمن - فوق كل ذلك - معالجة هذه الجروح العميقة والندبات الغائرة.

مهمة صعبة ودقيقة؛ فالقوة مطلوبة لأن الضعف يُغري الأشرار بالانقضاض، ولكن القوة المفرطة ستحرّك الجروح النفسية الغائرة من جديد. ومهمة رجل الدولة الأولى أن يحافظ على كيان وطنه ويمنعه من التمزق والتقسيم، وفي الوقت نفسه يجعل منه دولة ناجحة ووطناً للجميع من كل الأعراق والأديان والثقافات. نتذكر أن الرئيس الأميركي أبراهام لنكولن قضى أغلب فترة حكمه في الحرب الأهلية؛ لأنه لم يُرِد أن تتمزق بلاده وتنتهي للأبد. لو لم يفعل ذلك، لما عرفنا أميركا القوية التي نعرفها اليوم، ولتشظّت إلى دويلات متفرقة.

فيما يخص البناء السياسي لمنظومة الحكم، فإن للعالم السياسي هانتغتون وجهة نظر أجدها منطقية: بناء الديمقراطية لا يرتبط بالتحديث فقط، بل بتطوير المؤسسات والثقافة. فحتى لو كانت الدولة ناجحة اقتصادياً، فإنها ستفشل في التحول إلى ديمقراطية إذا كانت تفتقر إلى بنية سياسية ناضجة ومؤسسات حكم مستقرة، فكيف إذا كانت فقيرة؟ سيكون الوضع بالطبع أكثر تعقيداً. وهذا سرّ تعثر التجربتين العراقية والأفغانية؛ لأن الديمقراطية فُرضت من الأعلى، لا من الأسفل. لم تمدّ جذورها العميقة داخل المجتمع. فُرضت بالقوة لكنها تحولت إلى شكلية. ومن دون دولة قوية ومؤسسات، وحكم قانون ومحاسبة، وثقافة تُبنى على فترات طويلة وبنار هادئة، وعلى إيقاع الساعة السورية فقط، فإن الديمقراطية المولودة قسرياً ستولد مريضة. تستحق سوريا، بعد عقود صعبة وأوجاع عميقة، فرصة ثانية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الآلام النفسية السورية الآلام النفسية السورية



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt