بقلم:مصطفى الفقي
تبدو الجمهورية التركية حاليًا مثل الرقم الصعب الذى تتشابك عنده المواقف وتتداخل التحليلات، إذ إن وريثة الخلافة العثمانية هى دولة محورية ويكفى أنها أوروبية وآسيوية وشرق أوسطية فى الوقت نفسه، تقف كهمزة وصل بين قارات العالم القديم وتمارس دورًا فاعلاً فى سياسات المنطقة، وهى بحكم التاريخ إسلامية وبمنطق السياسة دولة بحر متوسطية تطل على العالم من أكثر من جهة وذات دور نشط فى موازين القوى الغربية.
ويكفى أن نتذكر هنا أنها دولة عضو فى حلف الأطلنطى بدورها المؤثر فى سياسات المنطقة وتحالفاتها بحكم علاقاتها التاريخية بغرب آسيا من جانب ودول البلقان من جانب آخر، فضلاً عن الاشتباك التاريخى مع الدولة الروسية فى كل مراحلها وقدراتها الهائلة فى مساحة ضخمة نطلق عليها تعبير (أوراسيا)، وتركيا بهذا المنطق هى بالفعل رقم صعب لا يمكن تجاهله، بالإضافة إلى ذلك فهى تملك علاقات تاريخية مع إسرائيل وتمسك فى الوقت ذاته بقيادة الشرق الأوسط بعد أن تطلعت لسنوات إلى الاتحاد الأوروبى عندما كانت تأمل فى عضويته وهو أمر لم يتحمس له الأوروبيون لأسباب ثقافية وتاريخية وجيوسياسية بالدرجة الأولى.
إن أنقرة تدرك أنها ثقل إسلامى وتراث عثمانى له اتصالات طويلة مع القوى العالمية والأوروبية المختلفة وعلاقات خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية زعيمة الناتو على الشاطئ الآخر من الأطلنطى، ولا شك أن أوروبا تنظر بحذر لتنامى الدور التركى الذى تطفو على سطحه ذكريات الصراع التاريخى والثقافى مع دول الجوار، فقد حكمت تركيا العثمانية إمبراطورية كبرى امتدت إلى ما يقرب من سبعة قرون جرى فيها توظيف دورها لخدمة تطلعات سياسية وأهداف تركمانية برغم خلافها مع دول أخرى.
وفى مقدمة ذلك ما ندركه جميعًا من شعور كامن بالعظمة التى كانت والزهوة التى زالت من تأثير الحضارة الإسلامية على المنطقة ومستقبلها فى العالم، ورغم أنها ثقل إسلامى سنى إلا أنها تمارس دورًا متوازنًا فى العلاقات بين طهران وأنقرة فى ظل تنافس مكتوم يطفو على السطح أحيانًا، وأتذكر أن الرئيس الفرنسى الأسبق جيسكار دى ستان قد ذكر عندما سئل عن حظ تركيا فى عضوية الاتحاد الأوروبى قائلاً (إن دولة مثل المغرب أولى وأحق بتلك العضوية من تركيا)، وذلك يعكس بوضوح رواسب الماضى وتداعياته.
ويقف على قمة السلطة فى تركيا زعيم يدرك كل هذه الحقائق ويحتفظ بعلاقات جيدة مع البيت الأبيض ويغازل العالم الإسلامى بنفس الدرجة دون تفريط أو إفراط، كما أن الكيمياء الشخصية بين أردوغان والرئيس الأمريكى المثير للجدل دونالد ترامب تبدو منسجمة نسبيًا، وتلك ورقة هامة رغم ما يتردد عن الوضع الصحى لأردوغان ومستقبل سيطرته على تركيا الدولة المثيرة للجدل فى كل مراحل تاريخها، وها هى تسعى لمغازلة الجيران والأعداء على حد سواء!.
ولقد كشفت الأحداث الأخيرة فى المنطقة عن ذكاء الدور التركى الذى ينظر إلى طموحات الأكراد شرقًا وشكوك الأوروبيين غربًا على نحو يطرح التساؤل، وهو أين تقف تركيا المستقبل من كل ما يجرى فى السنوات الأخيرة تجاه الجرائم الإسرائيلية والمخاطر الإيرانية والتطلعات العربية؟!.