توقيت القاهرة المحلي 13:42:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحَسَدُ علَى السُّرُور!

  مصر اليوم -

الحَسَدُ علَى السُّرُور

بقلم:تركي الدخيل

هَذَانِ بَيْتَانِ مِنَ الشِّعرِ لِأبِي الطَّيِّب المُتَنَبّي، يَتَحَدَّثُ فِيهِمَا عَمَّا يَتَعّرَّضُ لَهُ مِنْ حَسَدٍ، لَكِنَّهُ يَتَنَاوَلُ المَوْضُوعَ مِنْ زَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَة.

يَقُولُ شَاعِرُ الدُّنيَا:

فَلَـوْ أَنِّي حُـسِـدْتُ عَلَى نَفِيسٍ لَجُدْتُ بِهِ لِذِي الجَدِّ العَثُوْرِ

وَلَكِنِّي حُـسِدْتُ عَلَى حَيَاتِي وَمَا خَيـرُ الحَـيَـاةِ بِـلَا سُـرُوْرِ

كَانَ الحَسَدُ مذموماً فِي دُنْيَا العَرَب إذْ كَانَتِ العَرَبُ تَقُولُ فِي ذمِّه «أَغْبِطُكَ وَلَا أَحْسُدُكَ».

وَفِي الأبْيَاتِ السَّابِقة: حُـسِـدْتُ: المَحسُودُ هو المُتَكَلِم، وَهو الشَّاعِرُ، والحَاسِدُ، غَيرُ مَذكُورٍ، فَفِعْلُ حُسِدتُ ماضٍ، فاعِلهُ مبنيٌ للمَجْهُول.

«حَسَدَ يَحسُدُ (مِن بَابِ خَرَجَ) ويَحسِدُ (مِن بابِ ضَرَبَ)، حَسَداً، فهو حَاسِدٌ وحَسُودٌ، والمفعولُ مَحْسُودٌ وَحَسَدَ جَارَه: كَرِهَ نِعمَةَ اللهِ عليهِ، وتَمَنَّى أنْ تَزُولَ عَنه، أو أن يُسْلَبَهَا «الحَسَدُ يُوَلِّد البغضَاءَ- حسَدَنِي اللهُ إِنْ كُنتُ أحسِدُكَ: عَاقَبنِي اللهُ علَى حَسَدِي إِيَّاكَ- ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾» وَاللَّهُمَّ لَا حَسَد: اللَّهُمَّ زِدْ وبَارِكْ- فِي مَوقِفٍ لَا يُحسَدُ عَلَيهِ: في موقفٍ سيئ- في مَوقَفٍ يُحسَدُ عَليه: فِي مَوقفٍ مُشَرِّفٍ يَتَمَنَّاهُ كُلُّ إنسانٍ لنَفسِهِ- ليسَ للحَاسِدِ إِلَّا مَا حَسَد: لَا يَحْصُلُ على شَيءٍ. كَمَا فِي (معجم الكلمات المعاصرة).

نَفِيس: «نَفُسَ يَنفُسُ، نَفَاسَةً ونُفُوسَـاً ونِفَاساً ونَفَساً، فهو نَافِسٌ ونَفِيسٌ ونَفُسَ الشَّيءُ: كَانَ عَظِيمَ القِيمَةِ «نفُسَ الذَّهَبُ/ المَعدِنُ/ الحَجَرُ الكَرِيمُ- مَعْدِنٌ نَفِيسٌ».

فالنَّفِيسُ، هو الغَالِي، المُقَدَّرُ، مُرْتَفِعُ القِيمَةِ.

سُرُوْر: «السُّرُورُ: خِلَافُ الحُزْنِ»، بحسب الجَوْهَرِيِّ. قَالَ بعضُهُم: حَقِيقَةُ السُّرُورِ: الْتِذَاذٌ وانْشِرَاحٌ يَحْصُلُ فِي القَلْبِ فَقَط، مِنْ غَيرِ حُصُولِ أَثَرِهِ فِي الظَّاهِرِ. والحُبُورُ: مَا يُرَى أَثَرُهُ فِي الظَّاهِرِ». كما عند الزبيدي في (تاج العروس)، ونقل عن الجَوْهَرِيِّ، قوله:

«يُقَالُ: السُّرُورُ: تَوْقِيعٌ جَائِزٌ. أَي: منْ أسْبَابِ السُّرُورِ؛ التَّوْقِيعُ الجَائِزُ، أَي: النَّافِذُ الْمَاضِي الّذِي لَا يَرُدُّهُ أحَدٌ، لِأَنَّهُ يَدُلُ على كَمَالِ الإِمَارَةِ، وتَمَامِ الرِّيَاسَةِ، وَهِي لِلنُّفُوسِ أَشْهَى مِنْ كُلِّ شَيءٍ، ولذلكَ جَعَلَ السُّرُورَ مُنْحَصِراً فِيهَا، وَهَذَا الكلامُ كَأَنَّهُ جوَابٌ مِنْ بَعْضِ الأَكَابِرِ فِي الإِمْرَةِ والوَجَاهَةِ ونُفُوذِ الإِمْرَةِ كَأَنَّ شَخْصًا سَأَلَ جَمَاعَةً: مَا السُّرُورُ لدَيْهِ؟

فكُلُّ وَاحِدٍ أَجَابَ بِمَا جُبِلَتْ عَلَيهِ نَفْسُهُ، وطُبِعَتْ عَلَيْهِ سَجِيَّتُهُ، على حِسابِ الرَّغَبَاتِ وَهُوَ كَثِيرٌ. قَالُوا: سُئِلَ عَالِمٌ، فقِيلَ لَهُ: مَا السُّرُورُ؟ فَقَالَ: مَعْنىً صَحَّ بالقِياسِ، ولَفْظٌ وَضَحَ بَعْدَ التِباس. وقِيلَ لشُجَاعٍ: مَا السُّرُورُ؟ فَقَالَ: طِرْفٌ سَرِيع، وقِرْنٌ صَرِيع. (الطِرف: الكَريمُ منَ الخَيلِ. والقِرْن: هوَ الجَدِيلضة). وقِيلَ لمَلِكٍ: مَا السُّرُورُ؟ فقالَ: إكْرَامُ وَدُود، وإرْغامُ حَسُود. وقيلَ لعَاقِلٍ: مَا السُّرُورُ؟

فقالَ: صَدِيقٌ تُنَاجِيه، وعَدُوٌّ تُداجِيه. وقيلَ لِمُغَنٍّ: مَا السُّرُورُ؟ فقالَ: مَجْلِسٌ يَقِلُّ هَذَرُه، وعُودٌ يَنْطِقُ وتَرُه. وقيلَ لنَاسِكٍ: مَا السُّرُورُ؟ فقالَ: عِبَادَةٌ خَالِصَةٌ مِنَ الرِّيَاءِ، ورِضَى النَّفْسِ بالقَضاءِ».

ورُوِيَ البيت الأول بـ(لذا) بدلًا عن (لذي).

والمَعنَى: لو حَسَدَنِي الحُسَّادُ علَى شَيءٍ عندِي مِنَ الأشْياءِ الغَاليةِ الثَّمينةِ التي يَرغَبُ النَّاسُ فيهَا، لأَعطيتُ هذَا النَّفيسَ الغَالِي وَقَدَّمتُهُ وَمَنَحتُه.

وَقَولُهُ: (لذَا الجَدِّ العَثور)، وفِي رِوَايةٍ: (لذي الجَدِّ العَثور)، تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ اثْنَينِ؛ أَوَّلُهُمَا: لجُدتُ كَرَماً بِالغَالِي النَّفِيس - لو كَانَ لَديَّ- لمَا عَليهِ حَالِي منْ كَثرةِ تَعَثُّر وسُوءِ حَال.

وَثانيهمَا: لجُدتُ بمَا لديَّ مِنْ غَالٍ نفيسٍ ثمينٍ، علَى صَاحِبِ الحَظِّ العاثرِ، والحَالِ المَائِلِ، ويُحتَمَل أنَّهُ يعنِي بهِ حَاسِدَه، فكأنَّهُ يَقولُ: لو حُسدتُ علَى أمرٍ نفيسٍ غَالِي الثَّمَنِ لأَعطيتُه حَاسِدِي، لَعلَّهُ يَكفُّ عَنْ حَسَدِي، إذَا حَصَلَ علَى مَا يَتمنَّاهُ عِندِي، وَتَحَقَّقتْ رَغْبَتُه بِزَوَالِهِ عَنّي!

ثُمَّ يقولُ فِي البَيْتِ الثَّانِي:

ولَكِنِّي حُسِدتُّ على حَيَاتِي ومَا خَيرُ الحَيَاةِ بِلا سُرُورِ

وَمِنْ دَنَاءةِ الحَاسِدِ أَنَّهُ حَسَدَ الشَّاعِرَ علَى السُّرُورِ فِي حَيَاتِهِ، فَاعْتبرَهُ المُتَنبّي حَسَدَهُ علَى حَيَاتِهِ، وعلَّلَ ذَلكَ بأَنَّ الحَياةَ بِلَا سُرُورٍ لَيسَتْ بِحَيَاةٍ، وَلَا خَيرَ فِيهَا.

وإِنَّمَا أَرَادَ حُسَّادُهُ لَهُ أنْ يَعِيشَ فِي حُزنٍ دَائِمٍ، وَضََنكٍ مُتَوَاصِلٍ، فَحَسَدُوهُ عَلَى حَيَاةٍ فِيهَا سُرُورٌ.

نَعُوذُ باللهِ مِمَّا فِي الحَسَدِ مِنْ شُرُورٍ، وَمِمَّا فِي الحَاسِدِ مِنْ دُبُورٍ، إذْ تَصِلُ بِهِ الخِسَّةُ إلَى الحَسَدِ عَلَى السُّرُور!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحَسَدُ علَى السُّرُور الحَسَدُ علَى السُّرُور



GMT 09:46 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

ولا ولن

GMT 09:44 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

بماذا ولماذا ستنصر روسيا والصين إيران؟!

GMT 09:43 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

الحرب والنفط والاضطراب؟

GMT 09:42 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

أين أخطأت إيران؟

GMT 09:41 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

هل علينا أن نخاف من التقنية؟!

GMT 09:40 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

السيد «كا عبر» شيخ البلد

GMT 09:39 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

البحث عن «معنى» أو «غنيمة»

GMT 09:38 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

«سكوكروفت» للاستراتيجية ورؤية للعالم 2036

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 18:17 2022 الأحد ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

شرم الشيخ التي لم نعرفها من قبل

GMT 21:34 2021 السبت ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

في متاهات التعليم

GMT 22:50 2018 الإثنين ,08 كانون الثاني / يناير

عمرو أديب يعرب عن حزنه لخسارة الزمالك أمام الأهلي

GMT 19:04 2022 الخميس ,03 آذار/ مارس

تأهيل الحكومة الرقمية من أجل التنمية

GMT 05:12 2020 الجمعة ,31 كانون الثاني / يناير

تعرف على سعر الجنيه المصري مقابل الريال القطري الجمعة

GMT 04:32 2021 الأحد ,03 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تؤكد دعم ليبيا لإجراء الانتخابات في موعدها

GMT 08:26 2021 الإثنين ,21 حزيران / يونيو

استمرار حظر هواوي بأمر من محكمة فيدرالية أميركية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt