توقيت القاهرة المحلي 02:47:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحَسَدُ علَى السُّرُور!

  مصر اليوم -

الحَسَدُ علَى السُّرُور

بقلم:تركي الدخيل

هَذَانِ بَيْتَانِ مِنَ الشِّعرِ لِأبِي الطَّيِّب المُتَنَبّي، يَتَحَدَّثُ فِيهِمَا عَمَّا يَتَعّرَّضُ لَهُ مِنْ حَسَدٍ، لَكِنَّهُ يَتَنَاوَلُ المَوْضُوعَ مِنْ زَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَة.

يَقُولُ شَاعِرُ الدُّنيَا:

فَلَـوْ أَنِّي حُـسِـدْتُ عَلَى نَفِيسٍ لَجُدْتُ بِهِ لِذِي الجَدِّ العَثُوْرِ

وَلَكِنِّي حُـسِدْتُ عَلَى حَيَاتِي وَمَا خَيـرُ الحَـيَـاةِ بِـلَا سُـرُوْرِ

كَانَ الحَسَدُ مذموماً فِي دُنْيَا العَرَب إذْ كَانَتِ العَرَبُ تَقُولُ فِي ذمِّه «أَغْبِطُكَ وَلَا أَحْسُدُكَ».

وَفِي الأبْيَاتِ السَّابِقة: حُـسِـدْتُ: المَحسُودُ هو المُتَكَلِم، وَهو الشَّاعِرُ، والحَاسِدُ، غَيرُ مَذكُورٍ، فَفِعْلُ حُسِدتُ ماضٍ، فاعِلهُ مبنيٌ للمَجْهُول.

«حَسَدَ يَحسُدُ (مِن بَابِ خَرَجَ) ويَحسِدُ (مِن بابِ ضَرَبَ)، حَسَداً، فهو حَاسِدٌ وحَسُودٌ، والمفعولُ مَحْسُودٌ وَحَسَدَ جَارَه: كَرِهَ نِعمَةَ اللهِ عليهِ، وتَمَنَّى أنْ تَزُولَ عَنه، أو أن يُسْلَبَهَا «الحَسَدُ يُوَلِّد البغضَاءَ- حسَدَنِي اللهُ إِنْ كُنتُ أحسِدُكَ: عَاقَبنِي اللهُ علَى حَسَدِي إِيَّاكَ- ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾» وَاللَّهُمَّ لَا حَسَد: اللَّهُمَّ زِدْ وبَارِكْ- فِي مَوقِفٍ لَا يُحسَدُ عَلَيهِ: في موقفٍ سيئ- في مَوقَفٍ يُحسَدُ عَليه: فِي مَوقفٍ مُشَرِّفٍ يَتَمَنَّاهُ كُلُّ إنسانٍ لنَفسِهِ- ليسَ للحَاسِدِ إِلَّا مَا حَسَد: لَا يَحْصُلُ على شَيءٍ. كَمَا فِي (معجم الكلمات المعاصرة).

نَفِيس: «نَفُسَ يَنفُسُ، نَفَاسَةً ونُفُوسَـاً ونِفَاساً ونَفَساً، فهو نَافِسٌ ونَفِيسٌ ونَفُسَ الشَّيءُ: كَانَ عَظِيمَ القِيمَةِ «نفُسَ الذَّهَبُ/ المَعدِنُ/ الحَجَرُ الكَرِيمُ- مَعْدِنٌ نَفِيسٌ».

فالنَّفِيسُ، هو الغَالِي، المُقَدَّرُ، مُرْتَفِعُ القِيمَةِ.

سُرُوْر: «السُّرُورُ: خِلَافُ الحُزْنِ»، بحسب الجَوْهَرِيِّ. قَالَ بعضُهُم: حَقِيقَةُ السُّرُورِ: الْتِذَاذٌ وانْشِرَاحٌ يَحْصُلُ فِي القَلْبِ فَقَط، مِنْ غَيرِ حُصُولِ أَثَرِهِ فِي الظَّاهِرِ. والحُبُورُ: مَا يُرَى أَثَرُهُ فِي الظَّاهِرِ». كما عند الزبيدي في (تاج العروس)، ونقل عن الجَوْهَرِيِّ، قوله:

«يُقَالُ: السُّرُورُ: تَوْقِيعٌ جَائِزٌ. أَي: منْ أسْبَابِ السُّرُورِ؛ التَّوْقِيعُ الجَائِزُ، أَي: النَّافِذُ الْمَاضِي الّذِي لَا يَرُدُّهُ أحَدٌ، لِأَنَّهُ يَدُلُ على كَمَالِ الإِمَارَةِ، وتَمَامِ الرِّيَاسَةِ، وَهِي لِلنُّفُوسِ أَشْهَى مِنْ كُلِّ شَيءٍ، ولذلكَ جَعَلَ السُّرُورَ مُنْحَصِراً فِيهَا، وَهَذَا الكلامُ كَأَنَّهُ جوَابٌ مِنْ بَعْضِ الأَكَابِرِ فِي الإِمْرَةِ والوَجَاهَةِ ونُفُوذِ الإِمْرَةِ كَأَنَّ شَخْصًا سَأَلَ جَمَاعَةً: مَا السُّرُورُ لدَيْهِ؟

فكُلُّ وَاحِدٍ أَجَابَ بِمَا جُبِلَتْ عَلَيهِ نَفْسُهُ، وطُبِعَتْ عَلَيْهِ سَجِيَّتُهُ، على حِسابِ الرَّغَبَاتِ وَهُوَ كَثِيرٌ. قَالُوا: سُئِلَ عَالِمٌ، فقِيلَ لَهُ: مَا السُّرُورُ؟ فَقَالَ: مَعْنىً صَحَّ بالقِياسِ، ولَفْظٌ وَضَحَ بَعْدَ التِباس. وقِيلَ لشُجَاعٍ: مَا السُّرُورُ؟ فَقَالَ: طِرْفٌ سَرِيع، وقِرْنٌ صَرِيع. (الطِرف: الكَريمُ منَ الخَيلِ. والقِرْن: هوَ الجَدِيلضة). وقِيلَ لمَلِكٍ: مَا السُّرُورُ؟ فقالَ: إكْرَامُ وَدُود، وإرْغامُ حَسُود. وقيلَ لعَاقِلٍ: مَا السُّرُورُ؟

فقالَ: صَدِيقٌ تُنَاجِيه، وعَدُوٌّ تُداجِيه. وقيلَ لِمُغَنٍّ: مَا السُّرُورُ؟ فقالَ: مَجْلِسٌ يَقِلُّ هَذَرُه، وعُودٌ يَنْطِقُ وتَرُه. وقيلَ لنَاسِكٍ: مَا السُّرُورُ؟ فقالَ: عِبَادَةٌ خَالِصَةٌ مِنَ الرِّيَاءِ، ورِضَى النَّفْسِ بالقَضاءِ».

ورُوِيَ البيت الأول بـ(لذا) بدلًا عن (لذي).

والمَعنَى: لو حَسَدَنِي الحُسَّادُ علَى شَيءٍ عندِي مِنَ الأشْياءِ الغَاليةِ الثَّمينةِ التي يَرغَبُ النَّاسُ فيهَا، لأَعطيتُ هذَا النَّفيسَ الغَالِي وَقَدَّمتُهُ وَمَنَحتُه.

وَقَولُهُ: (لذَا الجَدِّ العَثور)، وفِي رِوَايةٍ: (لذي الجَدِّ العَثور)، تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ اثْنَينِ؛ أَوَّلُهُمَا: لجُدتُ كَرَماً بِالغَالِي النَّفِيس - لو كَانَ لَديَّ- لمَا عَليهِ حَالِي منْ كَثرةِ تَعَثُّر وسُوءِ حَال.

وَثانيهمَا: لجُدتُ بمَا لديَّ مِنْ غَالٍ نفيسٍ ثمينٍ، علَى صَاحِبِ الحَظِّ العاثرِ، والحَالِ المَائِلِ، ويُحتَمَل أنَّهُ يعنِي بهِ حَاسِدَه، فكأنَّهُ يَقولُ: لو حُسدتُ علَى أمرٍ نفيسٍ غَالِي الثَّمَنِ لأَعطيتُه حَاسِدِي، لَعلَّهُ يَكفُّ عَنْ حَسَدِي، إذَا حَصَلَ علَى مَا يَتمنَّاهُ عِندِي، وَتَحَقَّقتْ رَغْبَتُه بِزَوَالِهِ عَنّي!

ثُمَّ يقولُ فِي البَيْتِ الثَّانِي:

ولَكِنِّي حُسِدتُّ على حَيَاتِي ومَا خَيرُ الحَيَاةِ بِلا سُرُورِ

وَمِنْ دَنَاءةِ الحَاسِدِ أَنَّهُ حَسَدَ الشَّاعِرَ علَى السُّرُورِ فِي حَيَاتِهِ، فَاعْتبرَهُ المُتَنبّي حَسَدَهُ علَى حَيَاتِهِ، وعلَّلَ ذَلكَ بأَنَّ الحَياةَ بِلَا سُرُورٍ لَيسَتْ بِحَيَاةٍ، وَلَا خَيرَ فِيهَا.

وإِنَّمَا أَرَادَ حُسَّادُهُ لَهُ أنْ يَعِيشَ فِي حُزنٍ دَائِمٍ، وَضََنكٍ مُتَوَاصِلٍ، فَحَسَدُوهُ عَلَى حَيَاةٍ فِيهَا سُرُورٌ.

نَعُوذُ باللهِ مِمَّا فِي الحَسَدِ مِنْ شُرُورٍ، وَمِمَّا فِي الحَاسِدِ مِنْ دُبُورٍ، إذْ تَصِلُ بِهِ الخِسَّةُ إلَى الحَسَدِ عَلَى السُّرُور!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحَسَدُ علَى السُّرُور الحَسَدُ علَى السُّرُور



GMT 22:04 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

لبنان المخاوف… والخوف الكبير

GMT 22:03 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

انقلاب السحر على الساحر في إيران!

GMT 22:02 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

بحثا عن أفق سياسي بين سوريا وإسرائيل…

GMT 21:57 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

إذا اعتمدنا على أخلاق ترامب

GMT 21:54 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

أول يوم مجلس نواب

GMT 21:47 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

DNA الكرة المصرية!

GMT 21:45 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

اللاعب رقم (13) فى السنغال

GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 22:16 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية
  مصر اليوم - نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية

GMT 19:41 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس
  مصر اليوم - ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس

GMT 16:01 2025 السبت ,26 تموز / يوليو

زياد الرحباني نغمة معترضة على سلّم النظام

GMT 02:51 2025 الإثنين ,07 تموز / يوليو

نصائح لتصميم مطبخ مشرق وواسع الإحساس

GMT 09:09 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الدولار في مصر اليوم الإثنين 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 06:42 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أول رد فعل من مرتضى منصور على قرار اللجنة الاوليمبية

GMT 10:31 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تعداد سكان مصر يسجل 99810019 نسمة في الدقائق الأولى من 2020

GMT 12:49 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

عمرو زكي يطمئن جمهوره بعد تعرّضه لحادث سير

GMT 23:10 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

عمرو سعد يسافر إلي لبنان من أجل تصوير "حملة فرعون"

GMT 10:01 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مي عبد اللاه تؤكّد أن أدب الرعب يُمكن أن يؤثّر على الشخص

GMT 20:23 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

تضارب الأنباء حول طلاق جورج كلوني وأمل علم الدين

GMT 06:57 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة جنايات القاهرة تستدعي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك

GMT 23:39 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على ألوان مكياج العيون الرائجة في الخريف والشتاء

GMT 02:41 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

هبة قطب تكشف علاقة نوع الغذاء بالشهوة الجنسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt