توقيت القاهرة المحلي 21:56:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل علينا أن نخاف من التقنية؟!

  مصر اليوم -

هل علينا أن نخاف من التقنية

بقلم : فهد سليمان الشقيران

وأنا أتجوّل صدفة على «يوتيوب» وقعت على «بودكاست» رمضاني تضمّن حملة شعواء على التقنية والذكاء الاصطناعي وعالم «الروبوت» وربطها بالتفسّخ الأخلاقي، مستدلاً على ذلك بمثاليْن اثنين، الأول عمليّ، إذ يتحدّث عن تسبب التقنية وتطوّرها بانتشار البطالة وسرقة عمل الإنسان، أما الاستدلال الثاني فهو اجتماعي، حيث انتشرت الزواجات الفاشلة بسبب بدئها من تطبيقات الإنترنت وثقافة السوشال ميديا، ومن ثمّ يعرّج على دور وسائل التواصل الاجتماعي مثل «إكس» و«فيسبوك» و«إنستغرام» في حدوث التشتت الذهني لدى الجيل الحالي مما يصعّب نجاحهم في تعليمهم المدرسي.

والحقّ أنَّ علاقة الإنسان بالتقنية كانت على طول الخطّ مضطربة وغير متوازنة وهي أعمق من هذا التسطيح. فمنذ أوائل القرن العشرين والتقنية تفرض راهنيتها للفهم والتحليل، إذ تحوّلت تدريجياً بامتياز إلى وسيط بين الإنسان وأشيائه وأفكاره. يقترح الأستاذ عادل حدجامي الباحث الأكاديمي وأستاذ الفلسفة في جامعة محمد الخامس بالرباط، تسمية مواقع التواصل بمواقع «الاتصال» ويرى آخرون أنَّها مواقع وهم وانفصال.

نعم؛ إن تلك التقنيات الساحرة الآسرة بحمولتها وشظاياها وكل ثورتها وترميزاتها المبثوثة تحتاج منا إلى فحص وفهم بغية لجم هذا الطوفان والتعرف عليه ومساءلته.

معضلة فهم التقنية تعيدنا إلى قرنٍ مضى مستذكرين ما كتبه مارتن هيدغر في مقالته عام 1953 تحت عنوان «مسألة التقنية».

أراد هيدغر من كتابتها البحث في «ماهية التقنية»، والبحث في علاقاتها. وإذا كان نيتشه قد افتتح نقد «عهد الآلات» ورمى بسهامه أعباء «ثقافة الآلة»، التي تجعل من الحشود «آلة نمطية واحدة يذوب في دوارها الفرد، وتحوله إلى أداة استعمال لتحقيق بغية واحدة»، فإن هيدغر من بعده حاول دراسة علاقة «التقنية بالعالم» ليخصص جزءاً من بحوثه المتعددة لهذا الغرض، حتى في كتابه الأساسي «الوجود والزمن» (1927) نراه يطرح ومضات عن استفهامه، ما جعل لوك فيري يجعل من مناقشة هيدغر لماهية التقنية «الخيط الناظم لمناقشة هيدغر للحداثة».

لقد كانت موجة التقنية في بواكيرها حينما وصفها بـ«ميتافيزقيا العصر»، وقد تتابعت التحليلات من بعد ذلك لدى هابرماس في درسه سنة 1965 وماركيوز، ومدرسة فرانكفورت في المرحلة الثانية من تطوّرها، لقد أثبتت التقنية أنها حدث ومجيء يتطلب كل الاهتمام والفهم.

يتواطأ الناس الآن على الشكوى من رسائل الآخرين، ومن عبودية عيونهم ورقابهم لأجهزتهم الكفّية، حتى المتخصصون يندبون حظّهم نظير ساعاتٍ طوال يبذّرونها بالتفاهات، بدلاً من متابعة مطالعاتهم ومراجعاتهم وأبحاثهم. ولعل هذا الانتشار الكاسح يعبّر عن أزمة كبرى في العلاقة بين الإنسان ووقته وحياته، لكأن الاستسلام إلى «التطبيقات» هو إهراق لماء الحياة وإحراق لزهر العمر وتوزيع مجاني للساعات على تفاهة محضة من دون أي مردودٍ مفيد.

من ناحية نعم قد نقرأ التعلّق الشديد بهذه الوسائل بأنه انتحار بطيء يعبر عن اليأس المرير، أن تكون هذه الأجهزة الصغيرة هي البداية لأيامنا وهي النهاية، والمقياس لجودة إبداعنا عبر الثناءات المجّانية التي تطرح فيها، والمعنى من وجودنا عبر التعريفات المزيّفة التي تدبّج على طرّة الصفحة الشخصية عبر ألقابٍ لا تسمن ولا تغني من جوع. وإذا كانت القيم أساساً تعاني من اهتزازٍ وتآكل، ومن اضطرابٍ غير مسبوق.

رأى هيدغر بمكانٍ ما أن التقنية صارت كالمعول الضارب على أسس القيم، معلناً انهيارها وتفسّخها وتفتّق الاحتكاك الاجتماعي عن بوادر نهاية معنى الإنسان ووقوعه في شرك الجموع حيث التعاسة اليومية، والانهيار القيمي بالمجمل، وفقدان الشعور بالذات الإنسانية نظير عدم وجود دور علمي أو عملي يمكن أن يكون باعثاً على شعور الإنسان بفردانيته «الفريدة».

بالتأكيد ثمة حالات من الاتصال الاجتماعي تعزز من التطابق والتشابه والتشاكل والوسوسة المستمرة بين شتى الشرائح للضخّ في موضوعاتٍ صغيرة، والاصطفاف الطفولي باسم الانتماء المعيّن لهذا التيار أو ذاك، أو السجال اللفظي غير العلمي أو المنهجي الذي يثري المجال العام.

ثمة موجة من التقنية لم تتدرّب على التواضع والمعرفة، والرغبة في التواصل الحيوي المنتج مع الآخر بقدر ما أتاحت الفرصة لجمع من الجهلة لعرض بضاعتهم المزجاة على منصّاتها، وكانت بالفعل رافعة لكثيرٍ من الفقاعات في المجالات العلمية والإعلامية تحديداً، حتى اكتشفت قلة من العقلاء كثيراً من الزّيف، ثمة حملات مهمة كشفت عن رسائل أكاديمية ودرجاتٍ علمية مزوّرة، أو من جامعاتٍ وهمية لبعض نجوم تلك التطبيقات.

وقصة التطرف والإرهاب المرتبطة بها باتت دولية، إذ سرعان ما هبّ الاتحاد الأوروبي ومعه الولايات المتحدة للحديث حول مواقع التواصل الاجتماعي، ونتائج السيلان المعلوماتي المتوفر فيها والحرية المستغلّة من جماعات العنف، وعلى رأسها تنظيما «القاعدة» و«داعش»، وهذه تحتاج إلى تشريعات وأنظمة قانونية صارمة تلجم هذا الاستغلال المخيف.

الخلاصة؛ أن التقنيّة بكل فروعها ليست خيراً محضاً ولا هي بالشرّ المطلق؛ وإنما هي أداة فعّالة مثل أي ابتكار، غير أن نتائج تطبيقات التدوين المتعددة تبيّن مستويات تربية الأفراد ومدى انعكاس تعليمهم على انتخاب كلماتهم وخطاباتهم، في السابق لا تُكتشف حالات النقص التربوي أو الاضطراب الذهني إلا من خلال اللقاءات والمناسبات والنقاش المباشر، الآن محضت التقنية كل فردٍ وجعلته مكشوفاً أمام الآخرين مع كل حرفٍ أو مقولةٍ أو صورة، حيث تتبدّى المستويات التربوية وتتكشّف الأخطاء العلمية... ولله في خلقه شؤون.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل علينا أن نخاف من التقنية هل علينا أن نخاف من التقنية



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt