توقيت القاهرة المحلي 07:30:02 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ترمب ونظام دولي جديد

  مصر اليوم -

ترمب ونظام دولي جديد

بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي

 

هل ما يجري في هذه المرحلة في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم أجمع وضع طبيعيٌ، أم أنه يمثل حالةً استثنائيةً جديرة بالعناية والتأمل والتساؤل؟ الواضح أنَّ العالمَ يعيش لحظةً استثنائيةً من تاريخه، تتغيَّر فيها الثوابت وتتكسَّر القواعد ويُعاد بناءُ كلّ شيء تقريباً من جديدٍ.

أميركا هي الإمبراطورية الأقوى في التاريخ الحديث، وهي منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي تتحكم في العالم عبر مبدأ القطب الواحد، وهي دخلت في مرحلة الحرب على الإرهاب، وتصنيف العالم إلى محور الخير ومحور الشر مع جورج بوش الابن، ثم دخلت بعدها في عملية «اليسار الليبرالي» المتطرف مع باراك أوباما وامتداده بايدن بعد مدةٍ رئاسيةٍ واحدةٍ لترمب، الذي عاد بعد ذلك لولاية ثانية منفصلة.

سبق لكاتب هذه السطور وغيره التأكيد أنه لولا تطرف اليسار الليبرالي الأميركي في الحزب الديمقراطي لما كان لترمب فرصةٌ أن يتسيَّد الحزب الجمهوري، فالمسؤولية الأميركية عمَّا يجري اليوم مشتركةٌ بين الحزبين، وما لم يكن ممكناً من قبل أصبح في سنواتٍ قليلةٍ جداً من عمر التاريخ ممكناً، وتم التخطيط له وتنفيذه.

في منطقتنا، ساق محوُر الممانعةِ نفسَه إلى الزوال عبر تعمد ارتكاب حماقات متكررة؛ فتم إحراق غزة في حرب إبادةٍ استمرت عامين كاملين، والقضاء على «حزب الله» اللبناني وأمينه العام وأسلحته وقياداته، وإسقاط نظام بشار الأسد الدموي، وتأديب «الحوثي» في اليمن من دون القضاء عليه، ثم ضرب إيران ضرباتٍ عسكريةٍ مؤلمةٍ وقويةٍ وحاسمةٍ، من إسرائيل ثم من أميركا.

كل الحديث هذه الأيام هو عن ضربةٍ أميركيةٍ مباغتة لإيران، وهو ما تتناقله وسائل الإعلام ويتحدث عنه المحللون، وتتفرع لتغطيته القنوات والمواقع الإخبارية، وتضجُّ به وسائل التواصل الاجتماعي، هذه واحدةٌ. والثانية، هي أن الرئيس ترمب أمر بعمليةٍ عسكريةٍ جامحةٍ قادتِ القوات الأميركية إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي من قصره وجلبه مكبلاً إلى الولايات المتحدة لمحاكمته، وهي عمليةٌ مفزعةٌ حقاً، لأنها ضربت بكل القوانين الدولية عرض الحائط ولم تعرها أي اهتمامٍ ولا حتى احتياجٍ لتبرير.

والثالثة، هي التعبير الترمبي عن الرغبة الملحة في الاستيلاء بالقوة والضغوط على «غرينلاند» التابعة لدولة الدنمارك بحكمٍ ذاتيٍّ، والدنمارك دولةٌ في حلف شمال الأطلسي الذي تقوده أميركا، وترمب يريد إضعاف هذا الحلف والخسف بقوة الدول الأوروبية وظهور أميركا دولةً لا تُقهر على المستوى الدولي.

في القرنين الأخيرين شهد العالم حربين عالميتين قصيرتين نسبياً ومدمرتين كلياً: الأولى كانت في أوروبا، والأخرى كانت في أوروبا مع حلفاء ممتدين حول العالم، أما الحرب الباردة فشملت العالم من أقصاه إلى أقصاه.

بعد الحرب العالمية الثانية استقر «النظام الدولي» بما مثَّله من قوانين ومؤسسات دوليةٍ وعالميةٍ، واتجه العالم إلى قطبين عالميين: غربي رأسمالي ليبرالي، وشرقي اشتراكي وشيوعي في روسيا والصين، وانتهت الحرب الباردة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في بداية العقد الأخير من القرن العشرين وقيام عالم القطب الواحد، بقيادةٍ غربيةٍ واضحةٍ، وإنْ داخل المؤسسات الدولية والنظام العالمي.

اليوم وكما تقدم، يشهد العالم تحولاً غير مسبوقٍ، تقوده أميركا ترمب، وهو العالم الذي يتخلَّى بفجاجةٍ عن قيمه وأخلاقه لحصد مصالحه المباشرة، وهو العالم الذي يريد بالقوة الفجة أن يفرض شروطه على الجميع، ودون شكٍّ هذا مفيدٌ لحظياً لأميركا التي تشكل إمبراطوريةً غير مسبوقةٍ في تاريخ العالم، ولكنَّه لن يكون كذلك في المستقبل القريب والبعيد.

في عالمنا العربي، كرهنا كثيراً «اليسار الليبرالي» الأميركي مع أوباما وبايدن اللذين سلَّما خصوم العرب في المنطقة؛ دولاً وجماعاتٍ، كل مقدرات الدول والشعوب العربية، ولكننا على وشك أن نكره «اليمين الأميركي» حين يقلب توافقات العالم السياسية والنظام العالمي رأساً على عقبٍ، بحيث يصبح التفتيش عن النجاة شعار الواقع والمستقبل، دون تفكيرٍ أو تخطيطٍ أو وعيٍ.

حين تتَّجه أميركا ترمب إلى القوة المحضة وتغيير الخرائط والتوازنات دون شعورٍ بالذنب تجاه «فنزويلا» أو «غرينلاند» وبتوافقاتٍ مع «روسيا» و«الصين» تجاه «أوكرانيا» و«شرق آسيا»، فالعالم فعلياً أمام تشكلٍ جديدٍ لا على المستوى المصلحي فحسب، بل على مستوى القانون الدولي والمصالح المناطقية، وهو بالتأكيد عالمٌ لا نعرف عنه شيئاً بعد وإن كان يمكن التنبؤ ببعض مصائره.

أخيراً، فعلى مدى نحو خمسة عقودٍ من الزمن، رعتِ الدول الغربية جميعاً وعلى رأسها أميركا وجود وقوة «النظام الإيراني»، ورعت من قبله بأربعة عقودٍ أو خمسةٍ، خلقَ ووجودَ «الإسلام السياسي»؛ رموزاً وجماعاتٍ وتنظيماتٍ، فلماذا يريد الغرب اليوم إقناعنا بأنه تخلَّى عن تلك الفكرة وانقلب إلى الاتجاه المعاكس؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ترمب ونظام دولي جديد ترمب ونظام دولي جديد



GMT 07:30 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

عودة داسيلفا

GMT 07:28 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

دور المسنين.. حب وكرامة وإنسانية

GMT 07:27 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

وفاز لولا دى سيلفا

GMT 07:25 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حين تتحول المعرفة إلى موقف

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

عابر للعصور.. شاهد على النظم (25)

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

المسيرة واستدامتها

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

خلف القضبان

GMT 07:18 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

ألف ليلة وليلة

النجمات يتألقن بفساتين سهرة وردية في ختام أكتوبر الوردي

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 02:09 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الشرع يؤكد أمن الحدود السورية العراقية وتراجع تهديدات داعش
  مصر اليوم - الشرع يؤكد أمن الحدود السورية العراقية وتراجع تهديدات داعش

GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

لقاح جديد لسرطان الجلد يخفض خطر عودة المرض أو الوفاة بنسبة 42%
  مصر اليوم - لقاح جديد لسرطان الجلد يخفض خطر عودة المرض أو الوفاة بنسبة 42%

GMT 23:09 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحوت الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 22:59 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 14:28 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير المصري تدعم إستمرار ميمي عبد الرازق كمدير فني

GMT 06:44 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

أفضل 10 وجهات سياحية دافئة للشتاء

GMT 14:08 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

تجدد حبس قاتلى الطفلة "فاطمة" 15 يومًا على ذمة التحقيقات

GMT 17:03 2020 السبت ,03 تشرين الأول / أكتوبر

تفاصيل وصول 97 فرنسيا لمطار مرسى علم الدولي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt