بقلم: مصطفي الفقي
تلعب الكيمياء الشخصية دورًا مؤثرًا فى العلاقات بين الأفراد، وقد تتصل أحيانًا إلى الحكام أنفسهم، ولقد لاحظت أن نموذج العلاقة بين الرئيس الراحل مبارك والزعيم السودانى الصادق المهدى سليل عائلة المهدى المرتبطة بتاريخ السودان كانت علاقة نموذجية لتفسير غياب الكيمياء بين الشخصيتين فى كافة المجالات، ولقد عملت مع الرئيس مبارك لثمانى سنوات وصادقت الإمام الصادق المهدى لسنوات طويلة، وكان لدى الرجل فى البداية حساسيات تاريخية موروثة تجاه مصر ولكنها تراجعت حتى زالت عندما امتلك الصادق المهدى شقته فى مدينة نصر بإحدى البنايات الكبيرة هناك وفتح أبواب منزله المصرى للأصدقاء والزوار والمفكرين والأدباء والساسة من كل اتجاه.
عندئذ بدأ الصادق المهدى فى أعماقه يعيد النظر فى فهمه لمصر وطنه الثانى الشغوف به، وزالت الحساسيات الكاملة لديه تجاه مصر إلى حد كبير كما أصبح ضيفًا معتادًا كل صباح يلعب التنس فى نادى هليوبوليس، خصوصًا أنه قد درس فى مصر فى مطلع حياته قبل أن يستكمل دراسته فى جامعة أكسفورد فى بريطانيا، وقد اختفت الكيمياء بينه وبين الرئيس مبارك بشكل ملحوظ فبعد أول لقاء منفرد بينهما قال الرئيس مبارك: إن السيد الصادق رجل نظرى بحت وليس واقعيًا على الإطلاق.
وأضاف: لقد حل أمامى مشكلات السودان كلها فى دقائق بالتنظير المطلق والأفكار الخيالية أكثر منها حلولًا عملية، كما أن السيد الصادق قد أدرك أن المسافة واسعة بين رؤيته للعلاقات بين مصر والسودان ورؤية مبارك على الجانب الآخر، وقد التقى الرجلان بعد ذلك فى عدة مناسبات وكان الانطباع الغالب لدينا هو استمرار غياب الرؤية بين الرئيس المصرى والزعيم السودانى، وقد حرصت دائمًا على التواصل مع أسرة الصادق المهدى إيمانًا منى بقيمته الفكرية ومكانته التاريخية، ولقد شرفتنى ابنته عندما كانت وزيرة لخارجية السودان منذ أعوام قليلة بعد سقوط نظام البشير بزيارة فى مكتبى الخاص وسط العاصمة المصرية، وأعجبنى طرحها السياسى وولاؤها لأفكار أبيها الراحل الذى عصفت بحياته مضاعفات من وباء الكورونا الذى اجتاح العالم فى مطلع عشرينيات هذا القرن.
وما أكثر ما تحدثت فيه مع السيد الصادق عن الدكتور حسن الترابى الذى قال لى فى إحدى زياراته إلى القاهرة وفى قاعة ندوات صحيفة الأهرام إنه منزعج دائمًا من طريقة معاملة الرسميين المصريين له من خلال أجهزة الأمن أو هيئة الاستخبارات، مضيفًا أنه كان يود أن تأتيه دعوة من مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام أو من إحدى هيئات الأزهر الشريف، وعادت بى الذاكرة إلى مطلع سبعينيات القرن الماضى عندما ذكر لى الأستاذ أحمد خليفة السويدى رئيس الديوان الأميرى للشيخ زايد حينذاك قبل أن يصبح وزيرًا لخارجية الإمارات، ولقد ذكر لى زميل دراستى حينها أن الشيخ زايد قد أوفده للقاهرة ليستطلع رأى الفقيه القانونى الكبير السنهورى باشا حول صياغة الدستور الجديد لدولة الإمارات كما فعل من قبل مع دولة الكويت، ولكن السنهورى اعتذر لاعتلال صحته فى أواخر أيام حياته، ونصح المبعوث الإماراتى باللجوء إلى أحد تلاميذه، وذكر اسم الدكتور حسن الترابى من السودان تحديدًا لثقته فيه وحبه له.