توقيت القاهرة المحلي 18:40:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ليبيا: حربٌ متواصلة ضد الذاكرة التاريخية

  مصر اليوم -

ليبيا حربٌ متواصلة ضد الذاكرة التاريخية

بقلم:جمعة بوكليب

الاختلاف حول إلى مَن تُنسب مقولة «من ليبيا يأتي الجديد» لم ينتهِ بعد في ليبيا. البعض ينسبها إلى المؤرخ هيرودوتس، وآخرون يصرون على نسبها إلى الفيلسوف أرسطو. ذلك الاختلاف يقابله، على الضفة الأخرى، اتفاق المختلفين على أن المعنيّ بـ«الجديد» في المقولة هو الغريب والشاذ.

في الآونة الأخيرة، احتفلت حكومة طرابلس بمهرجان أيام طرابلس الإعلامية، تحت شعار «طرابلس بعيون متفائلة»، ودعت إليه إعلاميين من بلدان عربية عدة. خلال تلك الأيام تمّ افتتاح متحف السراي، أو المتحف الوطني بعد إغلاق بغرض الصيانة دام سبع سنوات. كان حفلاً بعروض فنّية غاية في الجمال والروعة.

المتاحف ذاكرة الشعوب. وُجدت لكي تحافظ على التراث الإنساني والطبيعي. ولتكون جسوراً تربط الحاضر بالماضي، وأماكن استلهام التاريخ من خلال ما تركه السابقون من إرث وآثار وراءهم. في ليبيا تحوّل المتحف الوطني إلى ما يشبه كرة تتقاذف بأقدام الأنظمة السياسية. في فترة حكم العقيد معمر القذافي، التي استمرت 42 سنة، عمل النظام على استئصال كل ما يمتّ بصلة إلى النظام الملكي السابق في مناحي الحياة المختلفة، ومن ضِمنها المتحف الوطني والمناهج الدراسية. وكأن فترة 18 عاماً من تاريخ ليبيا - فترة الحكم الملكي - لم توجد.

لدى افتتاح المتحف الوطني مؤخراً، أُعيدَ الاعتبار لتلك الفترة التاريخية المهمة، لكن في المقابل تمَّ حذف 42 عاماً من تاريخ ليبيا، وهي الحقبة القذافية، وكأنها لم توجد أصلاً. أليس الأمر مدعاة للغرابة؟ إذ كيف يمكن إلغاء فترة من أهم فترات التاريخ الليبي الحديث؟

من جهة أخرى، مرت، خلال الأيام القليلة الماضية، الذكرى الرابعة والسبعون للاستقلال. حلولها تزامن مع سقوط طائرة في تركيا كانت تُقل رئيس أركان الجيش الليبي وثلاثة من كبار معاونيه من الضباط. لذلك السبب خيّم حزن عميق على كل مناطق البلاد، ونُكست الأعلام. اللافت للاهتمام أن الحادثة الأليمة وحّدت مشاعر الليبيين من كل الجهات.

ما نال المتحف الوطني والمناهج الدراسية من حذف وضرر، طال كذلك الاحتفال بذكرى استقلال ليبيا في يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) من كل عام، إذ اعتبر نظام القذافي أن استقلال ليبيا (الحقيقي!) يبدأ يوم انقلابه في الفاتح من سبتمبر (أيلول) 1969. وفي كل المدن الليبية تم تغيير أسماء الشوارع التي تحمل تاريخ يوم الاستقلال (شارع 24 ديسمبر) إلى (شارع الفاتح من سبتمبر). ولم يتم الاحتفال بذكرى الاستقلال طيلة اثنين وأربعين عاماً. الأمر لم يقتصر عند ذلك الحد، بل طال أيضاً تغيير المناهج الدراسية في مادة التاريخ الليبي، إذ حُذفت، بجرّة قلم، كل صفحة تحتوي ولو إشارة صغيرة إلى الدعوة السنوسية ودورها في المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي في جنوب ليبيا وتشاد والنيجر، وفي مقاومة الاستعمار الإيطالي في إقليم برقة، وفي تأسيس الدولة الليبية. ولم يكن ممكناً أمام أجهزة النظام السابق حذف اسم مجاهد عظيم قاد حركة الجهاد في الشرق الليبي وهو الشهيد عمر المختار. الشهيد عمر المختار كان، تاريخياً، يقود حركة المقاومة ضد الإيطاليين في شرق ليبيا تحت إمرة وراية السنوسيين. لكن المسؤولين عن المناهج التعليمية في النظام السابق قاموا بعمل غير مسبوق، بمعنى أنّه كان مستحيلاً عليهم نكران جهاد المختار، خاصة أن صورته كانت تُزيّن ورقة «العشرة دنانير»، فقاموا بجرف علاقته بالحركة السنوسية التي انبثق منها الشهيد وحارب باسمها، وتُرك معلَّقاً في الهواء. الأمر الذي لا يثير الحيرة والدهشة فحسب، بل يُذكِّر بمرارةٍ بالمقولة اليونانية أعلاه: «من ليبيا يأتي الجديد».

بين محوِ الملكية ومحوِ القذافي تُبتَر الذاكرة التاريخية الليبية عن سبق إصرار وترصد، وتضيع أجيال في متاهات المحو والتزوير والتلفيق.

المتاحف مراكز لذاكرات الأمم والشعوب، ومناهج التاريخ الدراسية وسيلة لربط الأجيال بذاكرتها ورموزها وتاريخها. والمتاحف والمناهج ليست ساحات لتصفية الحسابات السياسية. المتحف الوطني الليبي مركز حفظ وتوثيق ذاكراتنا التاريخية الليبية، وهو بيت كل ليبي، يوثق ويحفظ قصتنا كاملة كما هي؛ بانتصاراتها، وانكساراتها. والمحو والتزوير قد لا يضير التاريخ في حد ذاته، بل يبتر ذاكرة الأجيال القادمة من الليبيين، بأن يجرف من تحت أقدامهم تاريخ الأرض التي يقفون عليها ويجعلهم كائنات معلقة في الهواء تتقاذفهم الرياح في كل الاتجاهات.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليبيا حربٌ متواصلة ضد الذاكرة التاريخية ليبيا حربٌ متواصلة ضد الذاكرة التاريخية



GMT 04:00 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل... متقطع الإنتاج

GMT 03:54 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان... نقلة نوعية وجذرية

GMT 03:52 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان وألغام التفاوض

GMT 01:47 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

ليبيا... سؤالُ التوطين يثير القلق

GMT 01:40 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

من أين له هذا؟

GMT 01:37 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

بريطانيا تبحث عن مشروعها السياسي التالي

GMT 01:33 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

ثلاثة خيارات أمام لبنان

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,20 أيار / مايو

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 13:20 2025 الأربعاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

الأهلي يرفع عرضه المالي لضم دياباتي وتدعيم هجومه في يناير

GMT 11:53 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

جميل عازار وداعا

GMT 10:47 2018 الجمعة ,12 كانون الثاني / يناير

فيلم دواين جونسون يُحقق إيرادات كبيرة في السوق الأجنبية

GMT 18:33 2020 الجمعة ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

هذه الإعلامية الشهيرة هي ابنة الراحل نجاح الموجي

GMT 14:55 2017 الإثنين ,25 أيلول / سبتمبر

افتتاح معرض "حوار خاص جدا" في جاليري خان المغربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt