توقيت القاهرة المحلي 15:11:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نكهة سورية مسيحية للمبدئية

  مصر اليوم -

نكهة سورية مسيحية للمبدئية

بقلم : فؤاد مطر

هذا الجاني الذي اقتحم كنيسة مار إلياس في دمشق مساء الأحد الماضي، أثناء تأدية المصلين الصلاة، مُطْلقاً النار عشوائيّاً، ومفجِّراً نفسه بواسطة سترة ناسفة، ما أسفر عن مقتل 22 مصلِّياً، وإصابة العشرات بجراح بينهم أطفال وإشاعة الذعر في الكنيسة... هذا الجاني لو كان بدل الشحن التكفيري له قد وجد مَن يرشده إلى سواء السبيل، ويشجعه على أن يعرف ما التعايش الطوائفي، لما ارتكب هذا الإثم الذي مآله النار في الآخرة.

هذه الواقعة المؤلمة التي ذهب ضحيتها رجال ونساء مسنون، تجعلنا نستحضر من الذاكرة، ومن أوراق ووثائق ومحاضر جلسات ومؤلفات، كيف أن حقبة مضيئة من تاريخ سوريا الأربعينات والخمسينات كانت الطائفة المسيحية شريكة كل الطوائف، وتستوقفنا بالذات حالة، بل ظاهرة فارس الخوري المسيحي، الذي وُلد في بلدة الكفير اللبنانية، المتكئة على سفح جبل حرمون، المنتقل مع العائلة، بسبب ظروف الفتن والاحتراب، إلى سوريا، التي تشاء الأقدار -وكان قد بات جامعياً وحقوقياً وسياسياً- أن ينخرط في العمل السياسي زمن ازدهار التعدد الحزبي في سوريا، وبالذات «الكتلة الوطنية» و«الحزب الشيوعي»، وسجّل من المواقف التي تتسم بالتوازن، ما جعل المعادلات السياسية في رئاسات متنوعة المشارب تختاره لكي يترأس الحكومة. بل لعله أكثر السياسيين الذين ترأسوا حكومات في عهد الرئيس شكري القوتلي وعهد الرئيس هاشم الأتاسي، وهذا الترؤس للحكومة سبقه اختياره وزيراً للمعارف ثم للمالية. وأما المحطة اللافتة فتمثلت في أن أعضاء البرلمان السوري انتخبوه في ثلاثة مجالس نيابية رئيساً لهم.

لكن تبقى محطته الأممية ذات أهمية نوعية، فهو في مناسبة لمناقشة صيغة تقسيم فلسطين مع بعض التعديلات خلال انعقاد جلسة للهيئة العامة للأمم المتحدة (23-9-1947) قال ردّاً على المندوب الأميركي المؤيد للتقسيم: «اليهود لا علاقة لهم بفلسطين منذ عشرين قرناً، أما صلتهم العاطفية بها فيشاركهم فيها المسلمون والنصارى أيضاً، عدا ذلك فاليهود لم يُشكِّلوا دولتهم قديماً إلَّا في جزء من فلسطين، والحضارة التي ادّعوا أنها حضارتهم أخذوها عن جيرانهم الكنعانيين والفلسطينيين والمصريين والبابليين...».

وكان فارس الخوري، الذي ترأَّس حكومات سورية، وشغل مناصب وزارية عروبياً ووطنياً ولا طائفياً بامتياز -لعل البعض في لبنان يتأملون في العبر التي ما أكثرها وأقل الاعتبار تجاهها- تناول في كلمات ألقاها في إحدى مداولات أممية بين باريس ونيويورك موضوع حائط المبكى، وتستوقفنا في هذا الصدد العبارة التالية له «بينما كانت اعتداءات اليهود وخرْقهم للهدنة ومهاجمتهم منطقة النقب تمهيداً للاستيلاء عليها وتشريد نصف مليون فلسطيني تستوجب النظر في هذه الأمور، فإن ممثل اليهود أخذ يتكلّم عن حائط المبكى! هل احتل اليهود هذا الحائط وهل يحتله العرب الآن؟ إن هنالك أحجاراً قائمة وهي لا تزال هناك منذ العصور القديمة ولا يمسها أحد... فماذا يريدون؟ إنها في مدينة القدس القديمة، ولا تزال في مكانها هناك...».

وتناول فارس الخوري في الموضوع نفسه دعوى اليهود ضد الجيوش المصرية التي تجتاز حدود فلسطين، واصفة ذلك بأنه اعتداء، فقال «إن الجيوش المصرية تدخل فلسطين من أراضي مصر المتاخمة لأسباب تبرر دخولها، أما الجيوش اليهودية فمن أين أتت؟ لقد عبرت جيوش اليهود البحار والمحيطات والجبال، وتهافتت من كل بلاد العالم لتهاجم فلسطين ولتوطد أقدامها فيها، فهل يمكن اعتبار أولئك المعتدين الذين أتوا لغزو شعب مسالم في عقر داره أنهم يعملون بحق... بينما يُعتبر القادمون إلى إخوانهم ليوطدوا الأمن ويعيدوا اللاجئين إلى أوطانهم جماعة معتدين!».

وما هو أكثر لفْتاً للانتباه، أنه بعد انتهاء عضوية سوريا في مجلس الأمن الدولي (نهاية 1948) عاد فارس الخوري إلى دمشق، ومن دون أن يخطر في باله أنه سيلقى هذا الاستقبال الرسمي، الشعبي؛ حيث إن الجماهير زحفت صباح يوم الاثنين (10-1-1949) للمشاركة في استقباله، والذي بلغ مستوى غير مسبوق، إذ إن رئيس الجمهورية شكري القوتلي ورئيس الحكومة خالد العظم ونائبي رئيس مجلس النواب والوزراء والرؤساء السابقين ورموز أهل الفكر والثقافة والأدب، شاركوا في الاستقبال. ويروي الإعلامي محمد الفرحاني الذي استندْنا إلى كتاب ألَّفه عن فارس الخوري (إضافة إلى أوراق ذكريات جمعتْها الحفيدة الأديبة المتألقة كوليت خوري) أنه بعدما انتهى «الابن البار» من تحية مستقبليه، سأل ولده عن طربوشه، وكان قد أوصاه بأن يحضره معه إلى المطار في كتاب بعث به إليه، ولكن الابن نسي، فما كان من العلَّامة المسلم الشيخ بهجت البيطار إلَّا أن رفع عمامته بكلتا يديه، ووضعها على رأس فارس الخوري السوري المسيحي، ووسط التهليل والتصفيق ركب إلى يسار الرئيس القوتلي في الطريق إلى القصر الجمهوري، وبعد ذلك إلى منزله.

في أواخر الخمسينات أصيب هذا السياسي المسيحي الظاهرة في الحياة السياسية السورية - العربية - الأممية بتوّعك، انتهى بمضاعفات على أنواعها في الجسم، وتوفي عام 1962 عن 85 عاماً، وأقيمت له جنازة رئاسية، وتقدَّم المشيعين رئيسُ الجمهورية ناظم القدسي، والرئيس السلف شكري القوتلي.

لعل وعسى يُعيد رموز جماعات التطرف النظر في مفاهيم وشحن مذهبي، والتأمل بعقل منفتح في الظاهرة النموذج للمبدئية الوطنية والعروبية الثابتة وللتعايش الإسلامي - المسيحي في الوطن، الذي كانت عليه سوريا قبْل ثلاثة أرباع القرن، ترأَّس الحكومة فيها مرات عدة المسيحي فارس الخوري، فضلاً عن وقفات تتصل بالقضية الفلسطينية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نكهة سورية مسيحية للمبدئية نكهة سورية مسيحية للمبدئية



GMT 09:57 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

الحلُّ عندكم

GMT 09:55 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

غرينلاند... نتوء الصراع الأميركي ــ الأوروبي

GMT 09:53 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

عراقجي لزيلينسكي: لو غيرك قالها!

GMT 09:52 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

المقاربة السعودية لليمن تكريس لفضيلة الاستقرار

GMT 09:50 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

الأشْعَارُ المُحكَمَةُ

GMT 09:48 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

هل تُضعف أميركا نفسها؟

GMT 09:46 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

النظام العالمي و«حلف القوى المتوسطة»

GMT 09:44 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

مجلس الإمبراطور ترامب

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 14:21 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

ياسمين صبري تستكمل فيلم "نصيب" عقب عيد الفطر
  مصر اليوم - ياسمين صبري تستكمل فيلم نصيب عقب عيد الفطر

GMT 00:33 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الأردن يستعيد سيادته على الباقورة والغمر

GMT 04:30 2018 الأحد ,17 حزيران / يونيو

جزيرة كريت أكبر جزر اليونان الرائعة

GMT 21:24 2018 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

زيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق في تموز المقبل

GMT 10:46 2017 الأحد ,24 كانون الأول / ديسمبر

عهد التميمي

GMT 04:32 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

جلسة تصوير تجمع بين طارق صبري وجيهان خليل

GMT 04:44 2017 الثلاثاء ,11 تموز / يوليو

الفاوانيا تسيطر على رائحة العطر الجديد من Kenzo

GMT 00:03 2022 الأحد ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

فولكس فاجن تؤخر طرح السيارة الكهربائية ترينتي

GMT 05:28 2018 الأحد ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ملابس محجبات للممتلئات مستوحاة من المصممة مروة حسن

GMT 14:13 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

رشا السباعي تهنئ ملكة جمال لبنان وتدافع عن عمرو دياب

GMT 23:37 2018 الأربعاء ,19 أيلول / سبتمبر

ريال مدريد الإسباني يفوز على روما الإيطالي بثلاثية

GMT 09:48 2018 السبت ,18 آب / أغسطس

تعرفي على طريقة عمل سمك مشوي بالخضار
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt