توقيت القاهرة المحلي 20:28:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«صبحي»... المايسترو يشرقُ في «الأمم المتحدة»

  مصر اليوم -

«صبحي» المايسترو يشرقُ في «الأمم المتحدة»

بقلم : فاطمة ناعوت

ليس كلُّ تكريم يُكتب بالحبر ويسطعُ بالأوسمة. بعض التكريمات تُكتب بوهج مِداد أصحابها، وتُصاغ برهافة الموهبة وصلابة الموقف. الفنان المحترم «محمد صبحى» من هذا النوع الذى إذا تكلّم، توقف التاريخُ ليُنصِت. حين أعلنت «الأمم المتحدة»، عبر منصّة «اتحاد المبدعين العرب»، منحه «وسام التفرّد فى الإبداع الثقافى» ليكون «سفير المبدعين العرب فى الأمم المتحدة»، لم يكن التكريمُ شهادةً لـ«صبحى» وحسب، بل شهادةً لمصرَ التى لا تتوقّف عن إنجاب الأساتذة فى جميع الحقول، وإقرارًا من التاريخ أنه لا يغفلُ عن فرائده. فى مسرح «مدينة سنبل» أشرق «صبحى» بكامل بهائه ليتسلّم درع التكريم من الدكتور «أحمد نور» رئيس اتحاد المبدعين العرب، فى مشهدٍ تاريخى أبهج قلبَ مصر وهى تحتفى، مع نخبة من رجال الدولة والإعلاميين والفنانين والأدباء، بواحدٍ من أنبل فنانيها، استطاع أن يتجاوز حدود وطنه، ليصبح جزءًا من ذاكرة العالم الثقافية.

«صبحى» ليس فنانًا مثقفًا وحسب. بل هو صانعُ وعى. مهندسُ ضمير. معمارىٌّ يمزج الفن بالفكر عبر سلسال الكوميديا؛ فغدا أسطورة لا تتكرر. على خشبته لا تقف الشخصياتُ، بل تقفُ الأسئلة. الأسئلة التى نخشى طرحها رغم موارها فى عقولنا، فيُصرّ هو على انتزاعها من صدورنا وإطلاقها فى الهواء. يكفى أن يبدأ المشهدُ فينهض شىءٌ داخلنا، شىء لا يوقظه إلا الفنُّ حين يكون صادقًا لا يتورّط فى الزيف ولا يبيع موهبته على عتبات الضوء.

أسمّيه: «مايسترو»؛ لأنه مُعلِّمٌ وقائدٌ يحمل عصا وجدانٍ تُحرّك الوعى الجمعى. مَن تابعه يعرف أنه تجاوز كونه فنّانًا جميلًا، بل صار مشروعًا حضاريًّا متكاملًا. منذ «هاملت» وحتى «فارس يكشف المستور»، والقادم بإذن الله، ظلَّ الرجلُ يشتغل بالورقة والقلم والضمير، دون أن ينشغل بالتصفيق والأضواء. آمن، وجعلنا نؤمنُ معه، بأن «المسرح» ليس تسلية أو ترفيهًا، بل محكمةٌ، ومرآةٌ، وجرسُ إنذار. جميع أعماله فى السينما والدراما التليفزيونية والمسرح حملت همومَ الوطن ومحنة الإنسان. على خشبته، الشخصية لا تُجسَّد، بل تُحاك. والحكايةُ لا تُقال، بل تُصارع. والضحكةُ لا تُرفّه، بل تفتح نافذة الوعى والتأمل.

أدرك المايسترو بوعى مهندس المسارح القديمة، أن الجمهور شريكٌ لا متفرّج، والفنان ليس «ممثلًا» بل «ضميرًا» يشتعل. ولذلك نخرج من مسرحه، أخفَّ وأثقلَ. نتخفّفُ من الزيف، ونُثقَل بالأسئلة.

«محمد صبحى» من الفنانين القلائل الذين حافظوا على المسافة المقدسة بين الفنان والشارع، بين الفنان والدولة، بين الفنان وذاته. لم يُسقط قدمَه فى وحل الشعبوية، ولم يرفعها على منصّة الادّعاء. بل اختار دائمًا الطريقَ الأصعب: أن يخدم الناس من خلال وعيهم، لا عبر غرائزهم. لهذا نجح فى صنع ذاكرة كاملة، وخلق علاقة حميمة بين الجمهور والمسرح. فلو سألتَ أى إنسان عن أول ما يرد بخاطره حين يسمع اسم: «محمد صبحى»، سيقول من فوره: «الصدق». والصدق، فى زمن الضوضاء والزيف، أمرٌ نادرٌ وفريد مثل «وسام التفرد»، ومثل صاحبه، الذى يُعدُّ واحدًا من أنقى الفنانين الذين مرّوا فوق الخشبة منذ أن عرفت البشرية كلمة «مسرح».

لا أحد من جيل الثمانينيات وما تلاها لم يتعلّم شيئًا من «صبحى». علّمنا أن تعلّم أن الضحك النابع من الوعى يُنقذ وأن الحزن يمكن أن يُروى بكرامة، وأن الفن ليس ترفًا، بل شرفًا. فى زمن كان المسرح فيه يترنح تحت ضربات السوق السريعة والاستهلاك، ظلّ «صبحى» واقفًا وحده: عنيدًا، رفيعًا، لا يساوم. لهذا سجّلت «الأمم المتحدة» اسم «صبحى» فى خانة: «الفنانين الذين صنعوا فرقًا فى وجدان شعوبهم». فجاء التكريمُ لذاكرة أجيال تربّت على وضوح الرجل وصدقه واستقامة لغته وفنه. أجيال وجدت فى «صبحى» أبًا ثقافيًا، لا يربّت على الكتف وحسب، بل يوقظ الضمير. ولذا يحقُّ له أن ينال لقب «ضمير المسرح العربى». والضمائرُ لا تُكرَّم بل يُحتفى بها.

وسام «التفرّد فى الإبداع الثقافى» ليس جائزة تزيّن الصدر، بل ختمًا بعلم الوصول لفنان يقول: «لقد أديتُ الرسالة». لكننا نردُّ عليه: «لا. الرسالة لم تكتمل، ونطمعُ فى المزيد». غير أن «صبحى»، بطبعه، لن يعتبرها محطةَ وصول. فالمايسترو لا يتوقف، بل يبحث عن المعزوفة التالية، المشهد التالى، الفكرة التى لم تُقَل بعد. فهو رجل يكره السكون والراحة. لهذا يقع فى الإعياء بين الحين والآخر؛ فتنخلع قلوبُنا خوفًا عليه.

«محمد صبحى» يشرقُ اليومَ فى «الأمم المتحدة»، مثلما أشرقت شمسُه فى وجدان جماهيره منذ نصف قرن، يحمل عصا المايسترو التى تقودُ وتعلّم وتُبهج وتوقظ الضمير.

مبروك للمايسترو. ومبروك لمصر العظيمة لأن ابنًا من أبنائها يحمل حقيبة سفير للفنانين العرب، لا ممثلًا لمصرَ والعروبة وحسب، بل ممثلًا لجمال الفكرة حين تتجسد فى إنسان.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«صبحي» المايسترو يشرقُ في «الأمم المتحدة» «صبحي» المايسترو يشرقُ في «الأمم المتحدة»



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 01:47 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

نيمار يطلق اعترافًا مؤثرًا عن حلمه في كأس العالم 2026
  مصر اليوم - نيمار يطلق اعترافًا مؤثرًا عن حلمه في كأس العالم 2026

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt