توقيت القاهرة المحلي 01:43:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أحمد زويل فى ذكراه

  مصر اليوم -

أحمد زويل فى ذكراه

بقلم: مصطفي الفقي

أكثر ما كتبت عنه وما أحب ما أشرت إليه، إنه أيقونة جيلى وشعاع الضوء فى ظل الشحوب العلمى والانزواء الفكري، وقد حصل على نوبل لكى تكون هدية للشعب المصرى الذى خرج منه والوطن الكبير الذى انتمى إليه، وتذكرت أن هذه الأيام هى الذكرى الثامنة لرحيله من سطور الوفاء وكلمات الرثاء التى سطرها الصديق المشترك وهو أيضًا أيقونة فى عالم الفكر والشعر وأعنى به الأستاذ فاروق جويدة، وتذكرت على الفور جلستنا الأخيرة زويل وجويدة وكاتب هذه السطور على مقهى الفيشاوى فى حى الحسين فى قلب القاهرة منذ أكثر من عقدين من الزمان ونحن نلوك الذكريات ونتحدث عن الماضى باعتبارنا أبناء محافظة واحدة ورفاق زمنٍ فى الدراسة حتى وإن اختلفت الفصول والمدارس ولكنها فى ظل محافظة منجبة هى البحيرة التى أهدت للوطن محمد عبده من مركز شبراخيت وتوفيق الحكيم من مركز دمنهور ونجيب محفوظ من مركز رشيد، وهى المحافظة التى عانقت الأزهر الشريف عبر تاريخها الطويل واقترابها من المسجد الأحمدى فى طنطا قبل أن يكون فى دمنهور معهد دينى مستقل، أعود لزويل لمكانته المتفردة وقيمته السامقة ومحاولاته إصلاح التعليم ودفع البحث العلمى المصرى إلى آفاق عصرية ولاتزال أصداء كلماته فى لقاءاتنا الطويلة عبر السنين تصك مسامعى وتوقظ فى أعماقى أملاً لن يموت، فمصر الولادة صاحبة الأرض المنجبة سوف تظل دائمًا تتدفق بنفحات من أصحاب المعرفة حاملى شحنات العلم وومضات أنوار العرفان، إنها مصر الفرعونية اليونانية الرومانية الإسلامية المسيحية ملتقى الحضارات ومجمع الثقافات وحاملة السراج المنير فى دياجير الظلام عبر القرون، وهى البلد العظيم الذى واجه أشرس أنواع التحدى وأكبر محاولات التضييق حقدًا عليها، ولكنها بقيت دائمًا صامدة تدفع بقوافل يقودها أمثال زويل فى العصور الصعبة والأزمنة المأزومة والظروف المعقدة.

إن أحمد زويل النابغة والعالم الفذ كاد يطرق أبواب نوبل الثانية بعد الأولى ثم اختطفته يد المنون فأدمى القلوب وانتزع صفحة مضيئة من روتين حياتنا الذى يكرر نفسه كل حين، إنه أحمد زويل حفيد الفراعنة وامتداد علماء كبار كابن حيان والحسن بن الهيثم، وبهذه المناسبة أتذكر أنه قد دعانى فى سنوات عمره الأخيرة لحضور محاضرة علمية جامعة له فى العاصمة الألمانية برلين وكانت عن عالم الضوء ابن الهيثم وتأثيره الضخم فى البناء العلمى والحضارى للفيزياء والكيمياء فى الحضارة العربية الإسلامية وامتدادها فى الحضارة الأوروبية المسيحية، ولقد تميز أحمد زويل بطموح لا حدود له تجاوز فيه الميدان العلمى والأفق الثقافى لكى يطرق نوافذ الإصلاح السياسى، وكان يمكن أن يصبح إلهامًا تاريخيًا للنهضة المصرية مثلما كان اينشتاين مفخرة أمام دعاة المسألة اليهودية، ولذلك واجه زويل سهامًا يرشقه بها أنصار حزب أعداء النجاح كما كان يسميهم الراحل مفيد فوزى وغيرهم ممن يتوهمون أن زويل قد جاء ليسرق الجوهرة ويجرى بها بعيدًا، بينما الكنانة أرسخ وأعمق وأقوى من الأحداث العابرة والظروف القاهرة، وعندما كنت مديرًا لمكتبة الإسكندرية فاجأتنى زوجته السورية الفاضلة ديما الفحام ابنة الوزير السورى والعالم اللغوى ورئيس مجمع دمشق الأسبق بتنفيذ وصية زوجها العالم الراحل الذى أوصى بمكتبته لكى تكون جزءًا من مكتبة الإسكندرية التى كانت أثيرة لديه غالية عليه فهو خريج جامعة الإسكندرية وكان يسعد دائمًا بإحياء مكتبتها العظمى على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وقد صممت قرينة الراحل الكبير بأن تتحمل نفقات شحن مكتبته من أمريكا إلى مصر تقديرًا للوطن الذى أنجب تلك القامة العالية فى شموخ وكبرياء يضع أحمد زويل على قمة القائمة المضيئة من علمائنا الأفذاذ، وسوف أظل أشعر بالتقصير كلما تلقيت اتصالاً هاتفيًا من أختى العزيزة شقيقته السيدة نانا زويل وهى تتحدث عن أخيها العظيم ودوره الكبير وتتذكر معاصريه وأصدقاءه بالعرفان دائمًا والأسف أحيانًا، فالنفس البشرية متقلبة ولا تمضى على وتيرة واحدة كما أن الأحياء ينكرون أحيانًا فضل الراحلين وقيمة من قدموا لأوطانهم أغلى ما يملكون علمًا وفكرًا، ثقافة ورؤية، نصيحة ورشدًا.. سوف يبقى زويل فى ضميرى شخصيًا تراثًا باقيًا وضوءًا متألقًا لا يخبو نوره أبدًا، ولا أزال أتذكر مشاعره الوطنية فى أثناء ثورة 25 يناير وما بعدها وكيف كانت دقات قلبه تتحرك صعودًا وهبوطًا مع ترمومتر الحياة السياسية فى تلك السنوات الصاخبة من تاريخنا المعاصر.

طبت أيها الصديق والرفيق حيًا وميتًا، إن اعتزازنا بك راحلاً لا يقل عنه فى وجودك مقيمًا، فلقد تسللت إلى العقول والقلوب بتواضعك الزائد ورغبتك الدائمة فى الدفع بالوطن إلى مدارج العلم وأجواء المعرفة ولن تنساك مصر ولا البحث العلمى فيها ولا أبناؤها فى الداخل والمهجر قطبًا تعلقت به الأجيال وتبارى الشباب فى حضور لقاءاته الفكرية والعلمية فى دار الأوبرا المصرية وخارجها، أما أنا وفاروق جويدة وغيرنا الآلاف فإننا نفتقد طلتك الباسمة وروح الأمل المتجدد الذى كنت تبثه فى أرجاء وطننا.. وسوف تبقى ذكراك تدفع بمعارف ابن حيان، وأضواء ابن الهيثم، وأمجاد أجدادك الفراعنة!

* نقلا عن " الأهرام "

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أحمد زويل فى ذكراه أحمد زويل فى ذكراه



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 00:47 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك
  مصر اليوم - 10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة

GMT 19:55 2019 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الرئاسة" تكشف عن حقيقة وفاة الرئيس اللبناني ميشال عون

GMT 06:10 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أول تعليق من يورغن كلوب عقب الخسارة من "نابولي"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt