شاء حظ لبنان أن يقع بين عواصف الجغرافيا، وأمواج التاريخ، وأن يتحوَّل إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع متعارضة، وقوى إقليمية ودولية جعلت منه ميداناً لتصفية الحسابات، في حين كان يفترض به أن يكون فضاء للحياة، والثقافة، والصحافة، والإبداع، ومنتجاً للأفكار، والرموز العابرة للحدود، كعادته التاريخية.
لكن مسار الواقع كان أقسى من التوقعات، فقد جاءت القوى الخارجية -بحمولاتها السياسية والعقائدية الصلبة- لتزاحم الدولة على قرارها، وتعيد تشكيل توازناته الداخلية وفق منطق الصراع العقائدي، والمذهبي، وليس منطق الدولة، فكان لبنان في كل مرة يدفع ثمن موقعه قبل أن يحصد معنى وجوده.
وإذا نظرنا إلى التجربة اللبنانية، في امتدادها الحديث، فسنكتشف نسيجاً معقداً من الأزمات، والحروب، والتحولات، حيث تتداعى إليه ارتدادات الجوار، كما تتسلَّل إليه حسابات القوى البعيدة، حتى غدا بلداً يخوض حروباً لا يملك قرارها، ويفاوض على سِلْم لا يملك مفاتيحه، في ظل انقسام دائم حول معنى الدولة، وحدود السيادة، ووظيفة السلاح، وشرعية القرار.
وهنا تبرز الأسئلة الجوهرية: لماذا يتعثر القرار اللبناني في الحرب كما في السِلْم؟ ولماذا يتنازع الداخل والخارج على تمثيل إرادته؟ ولماذا تتحول أرضه في لحظات الأزمة إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المشاريع الإقليمية، بدلاً من أن يكون وطناً نهائياً قابلاً للحياة المستقرة؟
إنَّ مأساة لبنان العميقة تختزل أولاً في الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وما تتركه من ضغط دائم على حدوده، وسيادته، وتمتد إلى البنية السياسية الداخلية التي لم تنجح في ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية الكاملة، حيث ظلت قوى متعددة -بعضها سياسي، وبعضها مسلح، وبعضها عقائدي- تنازع الدولة احتكار القرار، وتضعف قدرتها على احتواء المجتمع تحت سقف واحد، وعلى رأس هذه القوى يقف «حزب الله» بارتباطاته العقائدية بإيران البعيدة.
لقد جرَّب لبنان على مدى قرن تقريباً صيغاً متعددة من التوازنات، والتحالفات، منذ اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية، لكنَّه لم يغلق كل نوافذ الصراع، وهناك من يرى أنَّه أعاد تنظيمه داخل الدولة، بدلاً من أن ينهيَه بشكل جذري، فبقيت الهشاشة كامنة في البنية السياسية، والمؤسساتية، ومع كل اختبار كبير كان يظهر أن الدولة لم تستعد كامل مركزها بعد.
وفي السنوات اللاحقة جاءت حروب وأزمات متتالية أعادت إنتاج الاضطراب، من حرب 2006، إلى الانهيار الاقتصادي منذ 2019، إلى انفجار مرفأ بيروت في 2020، والذي شكّل لحظة انهيار رمزي للدولة، ومعه تكرس شعور عام بأنَّ لبنان يعيش على حافة العجز الدائم، وأنَّ القرار الوطني موزعٌ بين أكثر من مركز قوة.
ومع ذلك لم يفقد لبنان قدرته على الحياة، ولا طاقته الاجتماعية، والثقافية، فقد ظلَّ مجتمعاً نابضاً رغم الانهيار، وظلَّت بيروت -رغم الجراح- مركزاً للإعلام، والفكر، والجدل السياسي، وظلت الطوائف على اختلافها جزءاً من نسيج اجتماعي معقد يحتاج إلى دولة وطنية لجميع أبنائها.
وفي موازاة ذلك يظل الاقتصاد اللبناني شاهداً على عمق الأزمة، حيث تراجعت المؤسسات، وانهارت العملة، وتقلصت فرص العمل، وهاجر الشباب، بينما ازدادت الفجوة بين المجتمع والدولة، حتى باتت فكرة الثقة نفسها موضع اختبار يومي، في ظلّ غياب إصلاح جذري، يعيد بناء النظام المالي، والسياسي على أسس شفافة، وعادلة.
اليوم تعود الأسئلة بشكل أكثرَ حدة: أي لبنان نريد؟ هل نريد وطناً نهائياً مكتمل السيادة، ويحتكر فيه القرار للدولة وحدها وفق مؤسسات واضحة، وقضاء مستقل، وجيش موحد، أم نريده ساحةً مفتوحة تتنازعها القوى الداخلية، والخارجية، وتدار بالتوازنات بدلاً من الدستور، وبالاصطفاف بدلاً من القانون؟
إنَّ استعادة لبنان لذاته لا تكون بالشعارات، وإنما بإعادة بناء فكرة الدولة نفسها، دولة تتقدم على كل ما سواها، وتعيد تعريف علاقتها بالقوة، والسلاح، والحدود، والسياسة، بحيث لا يبقى الوطن مجالاً للاستنزاف الدائم، بل ندعو إلى أن يتحوَّلَ لمشروع حياة مستقر، وقادر على حماية مواطنيه، وصون معناه في زمن الانكشاف الكبير الذي يعيشه الإقليم بأسره.
وفي قلب هذا السؤال يقف لبنانُ بين احتمالين: إمَّا أن يواصلَ الدوران في دائرة الاستنزاف المفتوح، وإما أن يختارَ لحظة تأسيس جديدة تعيد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية الكاملة، والتي تنتظم داخل عقد جامع، يضع حداً لسيولة القرار، ويمنح البلاد فرصة حقيقية للنجاة، والاستمرار، ويعيد للبنان صورته كدولة، وليس ساحة مخطوفة من قبل حزب، أو جماعة، أو دولة مجاورة، أو بعيدة.