توقيت القاهرة المحلي 18:53:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الغربة بين الحضارة والتكنولوجيا

  مصر اليوم -

الغربة بين الحضارة والتكنولوجيا

بقلم: مصطفي الفقي

أشعر أننى غريب فى هذا العالم الذى يموج بتياراتٍ جديدة وأفكار حديثة واكتشافاتٍ مبهرة وتحولات ضخمة فى الفكر والعلم معًا، وعندما أرى أحفادى يتداولون الصيغ الأخيرة للأجهزة الحديثة أشعر وكأننى قد هبطت عليهم من عالم قديم لا يعى من أمر ما يفعلون شيئًا، إننا فى عصرٍ لا يتعلم فيه الأحفاد من الأجداد ولكن يتعلم الأجداد من أحفادهم! وقد يكون ذلك على المستوى العلمى، ولكن الأمر يختلف كثيرًا فى الجانب الفكرى، فالبناء الحضارى الضخم فى الشرق والغرب على السواء يجعل الرؤية واضحةً فى جانبها الفكرى، ولكنها غريبة فى تطورها العلمى، ولقد حرصت منذ بداية الثورة الإلكترونية على تجنبها قدر الإمكان لأننى أنتمى إلى جيل به نماذج كثيرة للتعامل المحدود مع التطورات الوافدة، وأنا نموذج صارخ لذلك، فأنا لا أجيد ركوب الدراجة وإن كنت أحسن قيادة السيارة، ولا أتعامل مع الآلة الكاتبة منذ مطلع شبابى علاوة على أننى لا أجيد السباحة، وأبدو بالفعل عالة على العصر الذى نعيش فيه، يقابل ذلك طاقة هائلة على التأمل وقسط وافر من المعرفة ونهم شديد للفكر الجديد، فمازلت أكتب مقالتى بالإملاء على سكرتارية مكتبى ولا أتعامل مع الأجهزة الحديثة إلا فيما ندر، فعلاقتى بالتليفون المحمول تتوقف عند إرسال مكالمة أو استقبال أخرى أو قراءة رسالة وافدة دون القدرة على الرد عليها كتابة، وقد كنت شديد الحرص على ألا أزج بنفسى فى ذلك العالم الجديد الذى لم يكتب لى فيه التفوق مهما حاولت، فالزمان غير الزمان والعصر غير الأوان والدنيا تمضى فى اتجاهات لا يمكننا التحكم فيها، إننى من جيل ينتمى إلى تكنولوجيا جدول الضرب والجمع والطرح والقسمة، جيل عايش خيال الشعراء وأحلام السفراء وأوغل بعيدًا فى الدراسات الفلسفية والتأملات الوجودية فأصبح عصيًا عليه أن يبدأ الطريق مرة أخرى من بدايته أو أن يسعى فيه بأسلوب مختلف، ولا أقول إن ما أتحدث عنه هو نموذج يحمد لصاحبه، ولكنى أقر بالحقائق فقد عاهدت نفسى على الصدق حتى لو دفعت جزءًا من ثمنه، فلا يصح إلا الصحيح ولا يبقى إلا ما ينفع الناس، ولقد كنت أتساءل دون أن أقوم بعملية جلد للذات أو تأنيب للضمير إذا كنت أستطيع أن أحقق بطرق بسيطة ما يصل إليه الناس بأساليب معقدة، لذلك حرصت على أن تكون كلماتى واضحة وعباراتى أمينة وشرحى للأمور لا يتجاوز الحدود التى عشت بها ولها، وكنت أسأل نفسى دائمًا ومازلت عن متوسط العمر الافتراضى للإنسان المعاصر وكيف أنه يتأرجح حول أرقام محددة لا يتجاوزها إلا نادرًا، وأقوم بعملية حسابية بسيطة تشير إلى أن ما تبقى هو أقل بكثير من ربع ما مضى، فلماذا اللهاث وراء الأيام القادمة والسنوات الباقية؟ ولكننى أعرف على الجانب الآخر زملاء لى من ذات الجيل اخترقوا الحجب ومضوا فى نهمِ شديد نحو المعرفة العصرية والاكتشافات الحديثة وضربوا فيها بسهم وافر وحققوا إنجازات كبيرة، فقد عرفت بعض أصدقائى ممن يكتبون كل مقالاتهم بأصابعهم على جهاز الكمبيوتر أو أحد المخترعات الحديثة التى تترجم الصوت إلى حروف وتستنطق الحروف الصماء لتجعل منها عبارات ذكية واضحة، إننى أقول كل ذلك لأننى أشعر بقدرٍ كبير من الفجوة بينى وبين الأجيال التى تمضى أمامى وأتحمس كثيرًا للحوار اللفظى بدلاً من التعامل الصامت أمام الجهاز الصغير الذى أصبح يفرض علينا كل ضغوط التبعية الكاملة والاستسلام الذى لا يتوقف عند حد معين. إننى لا أهوى «الأذان فى مالطا» ولا أترك نفسى لحسابات الزمن المفتوح بل إننى مؤمن تمامًا بأن كل قرارٍ منسوب لعصره وكل موقفٍ محسوب على أوانه، ولا نستطيع أن نفكر بدرجة من السيولة فى المطلق كما لا نستطيع أن نطرق أبواب الزمن القادم دون مفاتيح ثابتة تقوم على قواعد حسابية صحيحة وتنبؤات فكرية حاسمة، إننى أنعى فى الوقت نفسه من فاتتهم الفرصة وأطلب منهم ألا يسمحوا بتكرار ذلك لمن يعرفون لأن الندم السلبى حينها هو الذى سوف يسود وليس الندم الإيجابى بعمقه المعهود.

نقلاً عن "الأهرام"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الغربة بين الحضارة والتكنولوجيا الغربة بين الحضارة والتكنولوجيا



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt