توقيت القاهرة المحلي 14:32:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحقوني مافيا الدواء بتحاربني!

  مصر اليوم -

الحقوني مافيا الدواء بتحاربني

بقلم:خالد منتصر

نسمع هذا الصراخ بشدة هذه الفترة خاصة مع التحقيق مع الطبيب الذى تجاوز حد الفتوى الطبية غير المبنية على أدلة، إلى مرحلة القتل مع سبق الإصرار والترصد، والكلام المرسل على الميديا المخلوط بهلوسات وضلالات البارانويا الحادة، وهذه ليست أول مرة، ولا أول شخص، سواء طبيب أو لا ينتمى للطب، لكن المشهد يتكرر وبانتظام، خاصة فى مجتمع يفتقر إلى أبسط أبجديات التفكير العلمى، السيناريو: شخص يخرج على الناس مدعيًا اكتشاف «دواء خارق» يشفى من أمراض مستعصية، وما إن يُسأل عن الدليل العلمى حتى يبدأ فى سرد قصة جاهزة: «مافيا الدواء تحاربنى»، «الشركات العالمية تريد إسكاتى»، «الطب الحديث سموم»، و«العلاج البديل هو الحل»، هذه السردية لا تُستخدم للدفاع عن اكتشاف حقيقى، بل تُستخدم غالبًا للهروب من سؤال واحد بسيط: أين الدليل؟، العلم لا يعمل بالقصص ولا بالمظلومية، ولا باللايفات واللايكات، بل يعمل بالبرهان، وأى شخص يدّعى علاجًا طبيًا يصبح – تلقائيًا – مطالبًا بإثبات ادعائه وفق قواعد البحث العلمى المعروفة، وليس بإلقاء التهم على كيانات غامضة بلا أسماء ولا مستندات، فالاكتشاف العلمى مثل الزواج، لابد للاعتراف به من إشهار، والإشهار له قواعد، نشر فى مجلة علمية محكمة، وليس فى مجلة ميكى أو البعكوكة، وعرض فى مؤتمر دولى، وليس فى مؤتمر حول حمام سباحة أحد الفنادق فى العين السخنه!، أول ما يفضح ادعاء وخرافة «مافيا الدواء» هو الواقع الاقتصادى نفسه، صناعة الدواء ليست كيانًا واحدًا متآمرًا، بل آلاف الشركات المتنافسة بشراسة، أى علاج فعّال بالفعل يمثل فرصة ذهبية لتحقيق أرباح ضخمة، وليس عبئًا يجب دفنه، «مافيا الدواء» هذه، لو كانت موجودة فعلًا، فهى أغبى منظمة عرفها التاريخ. منظمة تمتلك المال والعلم والنفوذ، لكنها – بشكل غريب– تقرر ألا تستفيد من علاج فعّال يدر مليارات الدولارات، وتكتفى فقط بمطاردة مكتشف عبقرى يظهر على فيسبوك لايف، لو الدواء الذى يتحدث عنه حقيقى، فهناك ثلاثة سيناريوهات فقط، إما أن تشتريه شركات الدواء، أو تتصارع عليه، أو تقلده خلال شهور، أما سيناريو «يتركوه ويحاربوه» فهذا يصلح لفيلم درجة ثالثة، لا لنقاش علمى، تاريخ الطب ملىء بأدوية دمّرت أسواقًا كاملة من الأعشاب والعلاجات الفاشلة، ومع ذلك لم تُخفَ، مثل البنسلين الذى أنهى عصر الوفيات الجماعية من العدوى البكتيرية، والإنسولين الذى حوّل السكرى من حكم بالإعدام إلى مرض يمكن التعايش معه، واللقاحات التى قضت على أوبئة كانت تحصد ملايين الأرواح. لو كانت هناك «مافيا دواء» تمنع العلاج الحقيقى، لما رأى أى من هذه الاكتشافات النور، ثم يأتى الادعاء الشائع بأن «الأدوية الكيميائية سموم» مقابل «العلاج الطبيعى الآمن»، هذا تبسيط مضلل وخطير، فالطبيعة مليئة بالسموم القاتلة، من السيانيد إلى الزرنيخ إلى سموم الأفاعى، وكلها مواد طبيعية بالكامل.

فى المقابل، كثير من الأدوية الصناعية تُنقذ الحياة لأنها خضعت للتجربة والقياس وضبط الجرعات، السمية ليست صفة أخلاقية، بل مسألة جرعة وتأثير. المادة الواحدة قد تكون دواءً منقذًا بجرعة، وسمًّا قاتلًا بجرعة أخرى.

الدجالون يتعمدون أيضًا الغموض. لا يشرحون آلية عمل الدواء، ولا يحددون جرعات واضحة، ولا يذكرون آثارًا جانبية، ولا يقدمون نتائج تجارب إكلينيكية منشورة، ولا يسمحون بمراجعة مستقلة. هذا الغياب ليس علامة عبقرية، بل علامة احتيال. العلم بطبيعته شفاف، وكلما كان الادعاء أكبر، كان مطلوبًا منه دليل أقوى، الاكتشاف العلمى الحقيقى لا يُحارب بالصمت أو بالاخفاء، بل يُختبر، الباحث الذى يملك علاجًا فعّالًا ينشره فى مجلة علمية محكّمة، يخضع للنقد، ثم يراه يتكرر فى أبحاث مستقلة، إن ثبت نجاحه، تحتفى به المؤسسات العلمية، وقد يحصل صاحبه على جوائز عالمية، لا على مقاطع «لايف» غاضبة على وسائل التواصل، الدجال لا يقدم أبدًا: آلية عمل واضحة، جرعات محددة، دراسات منشورة، مجموعات مقارنة، آثار جانبية، ولا حتى أرقام حقيقية، كل ما يقدمه قصص غامضة، وتجارب شخصية، وعبارات من نوع «العلماء مصدومين»، و«نتائج مذهلة»، و«سيغيّر تاريخ الطب»، و«أمريكا بتتهز»، والغريب أن تاريخ الطب لا يسمع عنهم أبدًا، العلم يا سادة لا يُدار باللايفات، ولا بالشتائم، ولا بلعب دور الضحية، العلم بسيط وصارم وما بيهزرش: انشر بحثك.، دع الآخرين يراجعونه، اسمح بتكراره، وإن كان صحيحًا، سيقف العالم كله خلفك، وستدخل التاريخ من أوسع أبوابه، لا من بوابة البلاغات والنظريات، الحقيقة المؤلمة للدجالين أن الاكتشافات الحقيقية لا تحتاج صراخًا ولا مؤامرات. تحتاج فقط إلى بيانات، وعندما تغيب البيانات، تظهر «مافيا الدواء» كحكاية لتنويم الجمهور، وابتزاز المرضى، وبيع الأمل بدل العلاج، يا سادة، من يملك علاجًا حقيقيًا، يواجه العالم بالعلم، ومن لا يملك، يواجهه بنظرية مؤامرة، وبين الاثنين.. فرق واضح لا يراه فقط من يريد أن يُخدع، المدمن لأن ينصب عليه، اللافت أن من يروجون لخرافة «مافيا الدواء» لا يكتفون بتضليل المرضى، بل يستغلون خوفهم ويبيعون لهم أملًا زائفًا، وهذا أخطر من الكذب نفسه، لأن ثمنه يكون أحيانًا حياة إنسان تأخر عن علاج حقيقى، أو ترك دواءً مثبت الفاعلية لصالح وصفة بلا دليل، العلم لا يخاف من الاكتشافات، لكنه يرفض الدجل، الاكتشافات الحقيقية تُختبر، تُكرر، وتُثبت. أما نظريات المؤامرة فهى الملاذ الأخير لمن لا يملك دليلًا، ولا يريد أن يملكه. وبين العلم والوهم، يظل الفارق واضحًا: الأول يطلب البرهان بالتجربة المعملية، والثانى يطلب التصديق بالفهلوة وبشيك على بياض.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحقوني مافيا الدواء بتحاربني الحقوني مافيا الدواء بتحاربني



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt