توقيت القاهرة المحلي 00:00:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الملحد بين الشخصية والنمط

  مصر اليوم -

الملحد بين الشخصية والنمط

بقلم:خالد منتصر

بداية لو دخل شاب ممن يتعاطون ثقافة التيك توك الدليفرى فقط إلى السينما، واستمع إلى جمل الحوار الصادمة بين الملحد وجماعة السلفيين فى الفيلم، والتى لم يتعود على سماعها فى مجتمعه المفلتر المعقم المدجن، والتى تعرض بتلك الجرأة التى افتقدتها السينما منذ مدة طويلة، وقرر أن يفكر ويناقش ويقرأ، فهذا جيد فى حد ذاته، ونشكر المؤلف والمخرج والمنتج على ذلك، هذا الحراك مطلوب الآن وبشدة فى ظل التغييب العقلى، والمزاج السلفى المسيطر.

لكن السؤال المهم ونحن نناقش الفيلم، هو: هل هو فيلم درامى أم مقال سينمائى؟، فما دمت أقول فيلم «الملحد»، إذن أنا أتعامل مع فيلم سينما، له مقومات السينما، وبه شخصيات من لحم ودم، وليست لافتات فكرية تلبستها شخصيات، لتنطق اقتباسات فلسفية، هى بالفعل أفكار مهمة وعظيمة، لكن القالب هو دراما على شاشة، وليست مقالات فى جريدة أو كتاب.

فرق كبير أن يرتدى ثوب الفن إنسان، وأن يرتديه مانيكان، الفيلم الفكرة فيه قبل الشخصية، والفن جماله فى شخوصه التى تخلق وتتحرك سواء على الورق فى الرواية، أو على الشاشة فى السينما، فرق كبير بين الشخصية والنمط، الأولى مركبة معقدة والثانية أحادية مقولبة، المتطرف السلفى جامد حتى فى مواجهة الموت يرفض زرع الكبد لأنه حرام حتى النهاية، برغم أننا نعرف أنه من الممكن أن يفتى بأنها حرام، لكن عندما يقترب الخطر منه فسرعان ما يولف الفتوى على مقاسه.

هذه النماذج تحب الحياة وملذاتها وشهواتها ونساءها حتى الثمالة، ولا يمكن أن تقبل الموت مرضا فى سبيل نصرة رأى دينى، ولنا فى صاحب فتوى تحريم الزرع خير دليل، وهو الذى سافر إلى أوروبا بلاد الكفر للعلاج!، هذا مثال توضيحى للفرق بين التشخيص الدرامى والتنميط الفكرى، لا أريد حرق أحداث الفيلم، فالملاحظات كثيرة، إنما المدهش بالنسبة لى كان أداء الفنانة صابرين، وموسيقى راجح داوود، وكادرات المناطق المفتوحة وجلسة السطوح التى صنعها وشكلها المخرج محمد العدل باقتدار، والحوارات الساخنة التى كتبها إبراهيم عيسى فى جلسات الاستتابة.

لكن مازال الحاجز الذى بينى وبين الفيلم هو المباشرة الفنية التى تذكرنى فى كل مشهد بمقال كنت قد قرأته للصديق إبراهيم عيسى، وأيضاً النهاية الزاعقة التى كنت أتمنى أن تكون مفتوحة، خاصة أن إقناع الملحد فى الدقائق الأخيرة للفيلم كان ساذجا، ولا يستدعى هذه الهداية المفاجئة لبطل الفيلم، وفرصة أن نفتح النقاش حول الفرق بين الشخصية والنمط حتى نصل إلى أرضية مشتركة نشاهد عليها أى فيلم،لا يُقاس عمق العمل بعدد الأفكار التى يطرحها، بل بمدى تحوّل هذه الأفكار إلى بشر أحياء داخل النص، وهنا يظهر الفرق الجوهرى بين الشخصية الدرامية الفنية بوصفها كائنًا إنسانيًا نابضًا.

وبين النمط (Type) الذى لا يتجاوز كونه فكرة أو موقفًا أخلاقيًا متنكرًا فى هيئة إنسان، الشخصية الدرامية الفنية تُخلق لتعيش داخل العمل لا لتشرح فكرته، ويكون معها الكتالوج، شخصية لها ماضٍ، وخبرات، وتناقضات، ونقاط ضعف، قد تؤمن بشىء وتفعل نقيضه، وقد تخون قيمها تحت الضغط أو الخوف أو الحب. هى لا تمثل الفكرة بقدر ما تتألم بسببها، وتتصارع معها، وتفشل أحيانًا فى الوفاء لها.

لذلك تبدو أفعالها غير متوقعة أحيانًا، بل وقد تفاجئ الكاتب نفسه أثناء الكتابة، هذه الشخصية الدرامية لا تُختزل فى موقف أخلاقى واحد، ولا تُقاس بميزان الخير والشر وحده، يمكن أن تكون خيّرة وتؤذى، أو شريرة وتحنّ، أو مترددة لا تعرف أين تقف، الحكم عليها يُترك للقارئ أو المشاهد، لا يُفرض عليه، أما النمط فهو ليس إنسانًا كاملًا، بل فكرة مجرّدة ترتدى جسدًا، وجوده داخل العمل وظيفى بحت، يخدم رسالة محددة أو موقفًا أيديولوجيًا جاهزًا، لا تاريخ حقيقى له إلا بقدر ما يدعم هذه الرسالة، ولا مفاجآت فى سلوكه، لأنه لا يعيش التجربة بل يمثلها، النمط ثابت، متوقع، لا يتغير إلا شكليًا، وإذا بدا أنه تطور، فإن هذا التطور يكون تعليميًا أو دعائيًا، لا ناتجًا عن صراع داخلى حقيقى.

هو يبدأ كما ينتهى، لأن الفكرة التى يحملهـا يجب أن تظل نقية وغير ملوّثة بالتناقض الإنسانى، لغة الشخصية الدرامية تشبه البشر الحقيقيين، مترددة أحيانًا، ناقصة، مليئة بالصمت والتلعثم والانفعال، قد تقول ما لا تقصده، أو تعجز عن التعبير عما تشعر به، أما النمط، فيتحدث دائمًا بوضوح زائد عن الحد، وكأن كل جملة محسوبة لتوصيل معنى معين. لا يصمت لأنه موجود ليشرح، ولا يخطئ لأنه يحمل «الصواب» الجاهز، الشخصية الدرامية تخلق علاقة معقدة مع المتلقى؛ قد نختلف معها فكريًا.

وربما نرفض أفعالها، لكننا نفهم دوافعها، تجعلنا نقول: «أنا لا أوافقه، لكننى أفهمه»، أما النمط، فيضعنا أمام اختيار حاد، إما معه أو ضده، الشخصية الدرامية هى كائن إنسانى يُكتشف مع تطور العمل، بينما النمط فكرة تُستهلك بسرعة، الأولى تكشف تعقيد الحياة، والثانى يختزلها فى رسالة واحدة، ولهذا تبقى الشخصيات الحقيقية فى الذاكرة طويلًا، بينما يذوب النمط بمجرد انتهاء العمل، الشخصية الدرامية تُكتشف، أما النمط فيُستهلك، الشخصية الفنية لوحة فنية كلما راقبتها من زاوية منحتك بعضا من سرها، النمط مثل رسم اللافتات الإعلانية لكنها بالأفكار بدلا من البراندات، تكشف لك نفسها بدون غواية ومن أول لقطة، لذلك أحيى العمل كفكرة تثير حراكا، لكن فى الفن لا يكفى نبل الفكرة وجرأتها، يهمنا قبل ماذا يقدم، كيف يقدم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الملحد بين الشخصية والنمط الملحد بين الشخصية والنمط



GMT 11:00 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 10:59 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 10:58 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

لغز اغتيال سيف…

GMT 10:57 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

ثلاث “ساعات” حاسمة: طهران.. واشنطن.. تل أبيب

GMT 10:56 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 10:55 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التهمة: مُزعجٌ مثل «ذبابة الخيل»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 20:53 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع
  مصر اليوم - توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt