توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البدايات تصنع الروايات

  مصر اليوم -

البدايات تصنع الروايات

بقلم:خالد منتصر

وأنا أتحدث عن رواية «زمن سعاد» فى حفل التوقيع، أثيرت قضية افتتاحية أو مدخل الرواية، واتفق معظم الحاضرين على أن الرواية التى لا تشدك من تلابيبك منذ الصفحة الأولى وأحيانا الجملة الأولى لا تستحق استكمالها، وهذا حقيقى فى معظم الأحيان، فتح هذا النقاش شهيتى للبحث فى الجمل الافتتاحية التى أثرت فِى شخصيا، وجعلتنى أنا الشخص، سريع الملل، ينهى رواية فى يوم أو يومين بلا انقطاع، لأنها جذبتنى وسحرتنى وأسرتنى، بالطبع ليست كل البدايات متساوية، هناك جُمل افتتاحية لا تُمهِّد ولا تستأذن، بل تقتحم وعى القارئ من السطر الأول، وتعلن بوضوح أن ما سيأتى ليس عاديًا، وأن الدخول إلى هذا العالم سيكون بلا ضمانات، هذه الجُمل لا تُغرى فقط، بل تؤسس فلسفة الرواية كلها فى لحظة واحدة، أتذكر من تلك الروايات، والافتتاحيات تلك الجمل الصادمة، أولاها وأشهرها المسخ لفرانتس كافكا:

«عندما استيقظ جريجور سامسا ذات صباح من أحلامٍ مزعجة، وجد نفسه قد تحوّل فى فراشه إلى حشرةٍ عملاقة»، ستسأل نفسك لماذا هذه الجملة عبقرية؟، هنا لا تفسير، لا تمهيد، ولا ذعر حتى، حدث كارثى يُقال ببرود تام، وكأن التحول أمر إدارى عادى، أو روتينى، القارئ يُسحَب فورًا إلى عالم العبث والاغتراب دون أى شبكة أمان، انسحاق الإنسان وتحوله إلى حشرة من الممكن أن يداس عليها بالأحذية، عبر عنها كافكا فى جملة عبقرية، اختزال مثله مثل الـ«دى إن إيه»، شريط وراثى دقيق يحمل سر الإنسان والكون، هناك أيضا رواية الغريب لألبير كامو:

«اليوم ماتت أمى. أو ربما بالأمس، لا أدرى».

القوة هنا فى اللامبالاة الصادمة، اختصار وضغط الوجود فى جملة باردة، وإعلان مبكر لفلسفة العبث، الجملة ليست عن موت الأم، بل عن انفصال الإنسان عن المعنى، قيل عنها إنها من أكثر المقدمات المرعبة وتخلو تمامًا من أى لمسة إنسانية أو عاطفية، لدرجة أنه حتى عند محاولة استحضارها فى الذهن تنفر العاطفة الإنسانية منها، وتتوقف عملية التفكير.

رواية ١٩٨٤ لـ«جورج أورويل»:

«كان يومًا باردًا مشرقًا من شهر أبريل، وكانت الساعات تدق الثالثة عشرة».

مجرد خلل صغير فى الواقع، لكنه كافٍ لزرع القلق منذ السطر الأول، الساعة الثالثة عشرة إعلان مبكر أن هذا العالم يبدو طبيعيًا، لكنه ليس كذلك، وقد حيرت هذه الجملة الباحثين الذين وجدوا فى المخطوطة الأصلية جملة أخرى كان قد غيرها وهى «كان يومًا باردًا وعاصفًا فى أوائل أبريل، وكانت مليون ساعة تُشير إلى الثالثة عشرة».

مائة عام من العزلة لجابرييل جارسيا ماركيز:

«بعد سنوات طويلة، وأمام فرقة الإعدام، تذكّر العقيد أورليانو بوينديا ذلك المساء البعيد حين أخذه أبوه ليتعرّف على الثلج».

جملة تبدأ بالنهاية، وتمزج الموت بالحنين، وتفتح الزمن كدائرة لا كخط مستقيم، القارئ يدخل منذ اللحظة الأولى إلى أسطورة عائلية وزمنية مكتملة، يقول ماركيز عن رواية أخرى هى خريف البطريرك: «بحثت عن الجملة الأولى المناسِبة لرواية خريف البطريرك، طوال ثلاثة أشهر»، ويضيف أنّ «أصعب ما فى الرواية هو الفقرة الأولى.. فى الفقرة الأولى تحل معظم المشاكل التى تواجهك فى كتابة الرواية».

رواية موبى ديك هرمان ملفيل.

«نادونى إسماعيل».


ثلاث كلمات فقط، لكنها وعدٌ بحكاية كونية.

اسم توراتى، وغموض كامل، وراوٍ يقدّم نفسه دون تاريخ أو ضمانات.

لوليتا فلاديمير نابوكوف:

«لوليتا، نور حياتى، نار أحشائى، خطيئتى، روحى».

افتتاح لغوى فائق الإغواء، لغة شعرية جميلة تخفى اعترافًا أخلاقيًا مرعبًا، القارئ يُفتن، قبل أن يدرك أنه فى منطقة خطرة.

المحاكمة فرانتس كافكا:

«لابد أن أحدهم قد افترى على جوزيف. ك، لأنه اعتُقل ذات صباح دون أن يكون قد ارتكب شرًا».

اتهام بلا جريمة، وعالم ظالم منذ السطر الأول.

تمهيد مثالى لعالم البيروقراطية الجهنمية والذنب الغامض.

هكذا تكون الافتتاحيات مغناطيسا جاذبا للقارئ، فى زمن مزدحم بالأحداث الأكثر سخونة من أى رواية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البدايات تصنع الروايات البدايات تصنع الروايات



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt