توقيت القاهرة المحلي 00:00:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البدايات تصنع الروايات

  مصر اليوم -

البدايات تصنع الروايات

بقلم:خالد منتصر

وأنا أتحدث عن رواية «زمن سعاد» فى حفل التوقيع، أثيرت قضية افتتاحية أو مدخل الرواية، واتفق معظم الحاضرين على أن الرواية التى لا تشدك من تلابيبك منذ الصفحة الأولى وأحيانا الجملة الأولى لا تستحق استكمالها، وهذا حقيقى فى معظم الأحيان، فتح هذا النقاش شهيتى للبحث فى الجمل الافتتاحية التى أثرت فِى شخصيا، وجعلتنى أنا الشخص، سريع الملل، ينهى رواية فى يوم أو يومين بلا انقطاع، لأنها جذبتنى وسحرتنى وأسرتنى، بالطبع ليست كل البدايات متساوية، هناك جُمل افتتاحية لا تُمهِّد ولا تستأذن، بل تقتحم وعى القارئ من السطر الأول، وتعلن بوضوح أن ما سيأتى ليس عاديًا، وأن الدخول إلى هذا العالم سيكون بلا ضمانات، هذه الجُمل لا تُغرى فقط، بل تؤسس فلسفة الرواية كلها فى لحظة واحدة، أتذكر من تلك الروايات، والافتتاحيات تلك الجمل الصادمة، أولاها وأشهرها المسخ لفرانتس كافكا:

«عندما استيقظ جريجور سامسا ذات صباح من أحلامٍ مزعجة، وجد نفسه قد تحوّل فى فراشه إلى حشرةٍ عملاقة»، ستسأل نفسك لماذا هذه الجملة عبقرية؟، هنا لا تفسير، لا تمهيد، ولا ذعر حتى، حدث كارثى يُقال ببرود تام، وكأن التحول أمر إدارى عادى، أو روتينى، القارئ يُسحَب فورًا إلى عالم العبث والاغتراب دون أى شبكة أمان، انسحاق الإنسان وتحوله إلى حشرة من الممكن أن يداس عليها بالأحذية، عبر عنها كافكا فى جملة عبقرية، اختزال مثله مثل الـ«دى إن إيه»، شريط وراثى دقيق يحمل سر الإنسان والكون، هناك أيضا رواية الغريب لألبير كامو:

«اليوم ماتت أمى. أو ربما بالأمس، لا أدرى».

القوة هنا فى اللامبالاة الصادمة، اختصار وضغط الوجود فى جملة باردة، وإعلان مبكر لفلسفة العبث، الجملة ليست عن موت الأم، بل عن انفصال الإنسان عن المعنى، قيل عنها إنها من أكثر المقدمات المرعبة وتخلو تمامًا من أى لمسة إنسانية أو عاطفية، لدرجة أنه حتى عند محاولة استحضارها فى الذهن تنفر العاطفة الإنسانية منها، وتتوقف عملية التفكير.

رواية ١٩٨٤ لـ«جورج أورويل»:

«كان يومًا باردًا مشرقًا من شهر أبريل، وكانت الساعات تدق الثالثة عشرة».

مجرد خلل صغير فى الواقع، لكنه كافٍ لزرع القلق منذ السطر الأول، الساعة الثالثة عشرة إعلان مبكر أن هذا العالم يبدو طبيعيًا، لكنه ليس كذلك، وقد حيرت هذه الجملة الباحثين الذين وجدوا فى المخطوطة الأصلية جملة أخرى كان قد غيرها وهى «كان يومًا باردًا وعاصفًا فى أوائل أبريل، وكانت مليون ساعة تُشير إلى الثالثة عشرة».

مائة عام من العزلة لجابرييل جارسيا ماركيز:

«بعد سنوات طويلة، وأمام فرقة الإعدام، تذكّر العقيد أورليانو بوينديا ذلك المساء البعيد حين أخذه أبوه ليتعرّف على الثلج».

جملة تبدأ بالنهاية، وتمزج الموت بالحنين، وتفتح الزمن كدائرة لا كخط مستقيم، القارئ يدخل منذ اللحظة الأولى إلى أسطورة عائلية وزمنية مكتملة، يقول ماركيز عن رواية أخرى هى خريف البطريرك: «بحثت عن الجملة الأولى المناسِبة لرواية خريف البطريرك، طوال ثلاثة أشهر»، ويضيف أنّ «أصعب ما فى الرواية هو الفقرة الأولى.. فى الفقرة الأولى تحل معظم المشاكل التى تواجهك فى كتابة الرواية».

رواية موبى ديك هرمان ملفيل.

«نادونى إسماعيل».


ثلاث كلمات فقط، لكنها وعدٌ بحكاية كونية.

اسم توراتى، وغموض كامل، وراوٍ يقدّم نفسه دون تاريخ أو ضمانات.

لوليتا فلاديمير نابوكوف:

«لوليتا، نور حياتى، نار أحشائى، خطيئتى، روحى».

افتتاح لغوى فائق الإغواء، لغة شعرية جميلة تخفى اعترافًا أخلاقيًا مرعبًا، القارئ يُفتن، قبل أن يدرك أنه فى منطقة خطرة.

المحاكمة فرانتس كافكا:

«لابد أن أحدهم قد افترى على جوزيف. ك، لأنه اعتُقل ذات صباح دون أن يكون قد ارتكب شرًا».

اتهام بلا جريمة، وعالم ظالم منذ السطر الأول.

تمهيد مثالى لعالم البيروقراطية الجهنمية والذنب الغامض.

هكذا تكون الافتتاحيات مغناطيسا جاذبا للقارئ، فى زمن مزدحم بالأحداث الأكثر سخونة من أى رواية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البدايات تصنع الروايات البدايات تصنع الروايات



GMT 11:00 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 10:59 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 10:58 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

لغز اغتيال سيف…

GMT 10:57 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

ثلاث “ساعات” حاسمة: طهران.. واشنطن.. تل أبيب

GMT 10:56 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 10:55 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 10:54 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التهمة: مُزعجٌ مثل «ذبابة الخيل»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 20:53 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع
  مصر اليوم - توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt