توقيت القاهرة المحلي 03:53:25 آخر تحديث
  مصر اليوم -

النبى بعيون خارج المؤسسة الدينية

  مصر اليوم -

النبى بعيون خارج المؤسسة الدينية

بقلم:خالد منتصر

فى طفولتى وأثناء الإجازة الصيفية، كنت أستمع إلى المدائح النبوية خلال زيارتى لقرية أبى وأمى فى دمياط، كانت فرق المداحين معظمها من قرى الدقهلية، كانت معظمها تضفى خوارق ومعجزات ومبالغات يعجز عن استيعابها عقلى الصغير، وبعد أن كبرت عجز أيضاً عن قبولها، وللأسف كانت كتابات معظم المشايخ تصب فى نفس الاتجاه، إلى أن بدأت فى قراءة السيرة من خلال كبار المثقفين الذين هم خارج المؤسسة الدينية، ولا ينتمون للأزهر، ووجدت فيها رؤية جديدة.

وزوايا نظر متفردة، قرأت ما كتبه طه حسين والعقاد وهيكل والشرقاوى وتوفيق الحكيم، على فترات متباعدة، لكن تلك القراءات لم يربطها فى ذهنى خيط فكرى، يضمهم معاً فى رؤية متماسكة منسجمة، إلى أن وجدت كتاب الشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى، الذى استطاع أن يقدم لى هذا الربط وذلك الانسجام من خلال قلمه الفنى والفكرى البارع، وتناوله الشيق الجذاب فى كتابه «محمد وهؤلاء»، الذى أعادت إصداره دار «كلمة»، التى أضافت بالفعل إلى المكتبة المصرية والعربية عناوين تنويرية تستحق الرصد والوقوف عندها، مقدمة الأستاذ حجازى لا تجعل تلك المقالات جزراً متناثرة، أو نتف سحاب متناثرة فى الهواء، ولكنه يربط بينها وبين حركة هؤلاء المثقفين كباحثين عن الهوية الثقافية، وأيضاً كرد فعل على بعض الكتابات الغربية التى قدمت سيرة النبى محمد بشكل ظالم ومجحف وعدائى، يقوم حجازى من خلال الوقوف على أرضية كل كاتب من هؤلاء بعملية تشريح دقيقة لزاوية نظر كل منهم، حسين هيكل وتأثره بأفكار الثورة البورجوازية الفرنسية، وطه حسين الذى عندما كتب طبق نظريته الخاصة بحضارة البحر الأبيض.

وعباس العقاد الذى وجد فيها مجالاً للتعبير عن موقفه من البطولة أو العبقرية الفردية، وتوفيق الحكيم عالجها فى حدود موقفه الفنى الخالص، وأخيراً يأتى الشرقاوى الواقعى الذى يدين بأفكار الثورة الاشتراكية ليجد فى السيرة ما يساند موقفه، ويتلاءم مع معتقداته، وعبقرية الأستاذ عبد المعطى حجازى وتفرده فى هذا الكتاب أنه قد جعله مقالات فى سيرة الفكر العربى المعاصر من خلال تناول السيرة، انشغل د. هيكل فى كتابه عن حياة محمد بسؤال: هل يمكن أن تكون النبوة بغير خوارق؟، ولماذا لا يكون العقل هو سلاح المسلم فى إثبات نبوة النبى وتثبيت الإيمان برسالته؟، هذا كان مدخل العائد من باريس بالدكتوراه فى القانون، والمتشبع بثقافتها العقلية العلمانية، تحدث عن نشأة البادية التى لا قيود فيها على الروح، ويتأمل فى السيرة من خلال العقل وتفنيد الخوارق.

فيضعف قصة شق الصدر، وكسوف الشمس يوم موت إبراهيم ابن النبى، وينحاز إلى أن الإسراء والمعراج كان بالروح لا الجسد، ثم بعدها يرد على ما زعمه المستشرقون من أخطاء محمدية مثل حادثة الغرانيق، والإسراف فى المتعة الجسدية.. إلخ، أما طه حسين فقد اختلف عنده السؤال، صار ما معنى الإسلام للمجتمعات الأخرى المعاصرة لمحمد؟، حاول الإجابة فى كتابه «على هامش السيرة»، الكتاب ليس تاريخاً علمياً لحياة النبى كما نجد عند هيكل، وإنما هو عمل أدبى يستلهم السيرة، والهدف منه أن يكون استفزازاً وتحفيزاً للآخرين لنفس النوع من الكتابة، ومقدمة لمحاولات أخرى متعددة فى استلهام الأدب العربى القديم، وإعادة صياغته شعراً ونثراً، كما فعل الأوربيون بأدب اليونان واللاتين.

وأعتقد أن محاولته نجحت، واستفزت توفيق الحكيم فى مسرحة هذا التراث، وتناول السيرة بالقلب لا العقل، هى لم تكن مسرحية بالمعنى الدرامى، وإنما هى سيرة حوارية، أما العقاد فهو الوحيد من بين هؤلاء الذى أثبت أوصاف النبى، واهتم بصورته المادية، ويرى أن معجزته هى فى ملكاته النفسية وطبيعته التى فطر عليها، ابتعد عبد الرحمن الشرقاوى عن الأوصاف المادية، وتحدث عن محمد كزعيم ثورى للفقراء، تكلم عن ظروف الإنتاج الطبقية فى المدينة، واحتكار اليهود لرأس المال هناك، كتابه «محمد رسول الحرية» لذلك هو الوحيد الذى ذكر أبا ذر الغفارى بكل ما يحمله من ثورية اشتراكية من وجهة نظره.

كانت تلك نظرة سريعة على كتاب مهم، اكتسب أهميته من خلال الشخصية المتفردة المكتوب عنها، ومن خلال القامات التى تناولت تلك الشخصية بالتحليل والقراءة، وأيضاً من خلال الوسيط الشاعر الذى قرأ هؤلاء ودمجهم بتاريخ الفكر العربى فى تلك الفترة، واستطاع تقديم مثل هذا المنتج الثقافى العظيم على شكل كتاب صغير الحجم، كبير القيمة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النبى بعيون خارج المؤسسة الدينية النبى بعيون خارج المؤسسة الدينية



GMT 09:14 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

برلين... زمن التوازنات بين واشنطن وبكين

GMT 06:04 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ألغام فى خطة ترامب الإيرانية

GMT 06:02 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

فاتورة الحرب!

GMT 05:59 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

لبنان.. الحزب والحركة

GMT 05:58 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

مهما ابتعدت.. لن تسير وحدك أبدًا

GMT 05:55 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

إيران تقدر على الجنون

GMT 05:53 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ازدحام الأفكار !

GMT 05:50 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

صورة الفنانين

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt