توقيت القاهرة المحلي 11:32:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحج والأضحى واستقبال الجديد

  مصر اليوم -

الحج والأضحى واستقبال الجديد

بقلم - رضوان السيد

ما عدتُ أعرف كم عدد الكتب التي قرأتها عن الحج في السنوات الأربعين الماضية. كان علماؤنا القدامى يكتبون بصيغة الرحلات. أما المحدَثون فبصيغة المذكرات لتسجيل وتثبيت التجارب الشخصية. ومن بين الذي قرأته وأثّر فيَّ بعمق كتابان أو تجربتان شخصيتان هما: «الطريق إلى مكة» لمحمد أسعد، و«قشّة في الميقات» لجلال آل أحمد. وما عدتُ أذكر كم مرّة أعدتُ قراءة كتابَي محمد أسد وجلال آل أحمد. جلال الفارسي اليساري غيّر اتجاهه -كما يقول- بعد تجربة الحجّ. أذهله نداء «لبيك اللهمّ لبيك»، وشعر بالضعف الشديد والقوة الهائلة في الوقت نفسه. وعندما تحدث عن تغيير الاتجاه، ما عنى أنه ما عاد مهتماً بالآيديولوجيا السياسية التي كان يعتنقها، بل حدث له تطورٌ تأويلي -كما قال- فصار يعد خدمة الناس عبادة لله (عزّ وجلّ). ولا أعرف إذا كان مالكولم إكس، الأميركي الأسود، قد عرف مذكرة جلال آل أحمد، والأرجح أنه ما عرفها؛ لكنه بعد أن ذكر خدمة بني الإنسان، مضى لذكر المشكلة الخاصة للأميركيين السود: التحرر والتحرير بوحدانية الله من دون طواغيت الأرض، معتبراً أنّ العبودية لله (لبيك لا شريك لك) تجعل من الحرية ضرورة وجودية لإنسانية الإنسان.

أما محمد أسد، وقد كان اسمه قبل إسلامه بيتر فايس، فسحره وأذهله الجمع الحاشد الذي تحمّل كلّ المشاقّ ليشارك في هتاف الجماعة العظمى يوم الحجّ الأكبر. ويومَ عرفة أذهلته الخطبة التي كانت مزيجاً من «خطبة الوداع» والدعوة لسلام الإنسانية وتضامنها. محمد أسد صار مفكراً إسلامياً، وكتب عدة مؤلفات في موضوعاتٍ شتى؛ لكنه ما كتب مثل: «الطريق إلى مكة». وقد طُبع كتابه بالإنجليزية عدة مرات وكذلك بالعربية. لكنه لا يعرف إذا كانت الحشود من وراء الدعوات جذابة للنُخب، أما هو الذي يعد نفسه من النخب، فقد أذهله الجمع، وأذهلته خطبة جبل عرفات والاقتباسات من خطبة الوداع للنبي، صلى الله عليه سلم، (وما كان يعرفها من قبل). وقد حجّ مراراً بعد ذلك، لكن ما خالجته تلك الأحاسيس العميقة!

وبالطبع ما كانت زيارة مكة للحج أو للاستطلاع تثير نفس الانطباعات لدى سائر الغرباء. فسنوك هورغرونيه، المستشرق الهولندي، الذي تسلّل إلى مكة وكتب عنها مجلّدين، كان يريد استكشاف أسرار قوة الإسلام، من خلال مراقبة سلوك جماهير الحجيج. وهورغرونيه الذي صار مستشاراً للإدارة الاستعمارية الهولندية في إندونيسيا، ظلّ يقول إنّ مَنْ لم يزر مكة والمدينة، لا يستطيع أن يعرف مكامن قوة هذا الدين. هورغرونيه، وهو أستاذ فنسنك صاحب فهرس مجاميع الحديث النبوي المشهور، ما كان يصحّح سند «خطبة الوداع»، ويرى أنّ هذه «الإنسانويات» في خطبة الوداع هي صناعة لاحقة، فتلك القيم الواردة في الخطبة أشبه بقيم عصر التنوير! أما كارل هاينرش بيكر، المستشرق الألماني الذي كان يتجادل مع الشيخ هورغرونيه خلال الحرب العالمية الأولى بسبب تحالف ألمانيا مع الدولة العثمانية، فقد ردَّ عليه بأنّ الخطبة أصيلة، وإذا كانت موضوعة من بعد، فواضعها مسلم على كلّ حال!

ما خطبة الوداع التي فتنت جلال آل أحمد ومحمد أسد ومالكولم إكس وأزعجت هورغرونيه؟

- أيها الناس، لا فضل لعربيّ على أعجميّ، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح.

- أيها الناس، إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم.

- من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. وإنّ كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون.

- إنّ كل دمٍ كان في الجاهلية موضوع... وكل ربا كان في الجاهلية موضوع.

- إنّ لكم على نسائكم حقاً ولهنّ عليكم حقاً... فاستوصوا بالنساء خيراً فإنهنّ عوان عندكم.

- إنّ كل مسلمٍ أخٌ للمسلم، وإنّ المسلمين إخوة، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده.

عندما كان الفيلسوف الأميركي وليم جيمس يُلقي محاضراته في «التجربة الدينية» في زمان الصراع بين الدين والعلم في أوروبا وأميركا؛ كان متحمساً للتدليل عليها رغم عدم خضوعها للاستقراء التجريبي بوصفها تجربة فردية، وكل اعتقاد فردي هو حق وحقيقة عند المؤمن يعيش بها وعليها. لكنّ بعض تلامذته ذكّروه بأنّ الحج فريضة في سائر الأديان، وهو جماعي وليس فردياً. فذكّرهم بأنّ طقس الرحلة تجاه الداخل أو الخارج سواء أكان رمزياً أم فعلياً هو مثال تحوُّلٍ وتغيير، ونقلة من حالٍ إلى حال، وهو مزيجٌ من الفردية والجماعية.

هناك بالطبع كثيرٌ من المسلمين يحجّون مراراً وليس من أجل التحول. لكنْ، هناك كثيرون أيضاً من المسلمين ومتديني الديانات الأخرى يتقصدون الحجّ من أجل التحول الداخلي أو أنّ التحول الداخلي هو الذي يدفع للحج. وهذا شأن جماهير عظيمة من المتدينين القدامى والجدد. إذ هم -وسط المتغيرات العاصفة- يبحثون عن الأمن والأمان والإيمان المُطمئن في الحج. وهكذا ينقسم الحُجّاج إلى ثلاثة أصنافٍ متواصلة: الصنف الذي يلتمس رضا الله بأداء الفريضة، والصنف الذي يلتمس التوبة بالاستغاثة في المواطن المقدسة. وأخيراً هناك الصنف الذي يلتمس بالترحل إلى الله من طريق الحج استقبالَ الجديد. ومعظم الذين كتبوا عن تجربتهم الشخصية في الحج ومعه هم من الصنفين الأخيرين، بل من الصنف الثالث بالذات. والثلاثة الذين ذكرناهم في مطلع هذه المداخلة هم من هذا النوع من دون أن تنتفي الدوافع الأخرى تماماً.

يسمي القرآن الكريم الكعبة المشرَّفة: البيت العتيق. وهو عتيقٌ وعريقٌ لأنه بناء إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام، ودعا إبراهيم ربَّه أن يجعله مثابة للناس وأمناً بوصفه مصلى للمتعبدين، والذين يبحثون عن السلام النفسي والعامّ. وإحقاقاً لذلك كانت الأشهر الحُرُم الأربعة التي لا اقتتال فيها ولا خوف.

جديد المسلم هو جديد الناس جميعاً: البحث عن الأمن والسلام، يسعى إليهما في صلاته وصومه وزكاته وحجه. ذلك أن السلام المنشود ليس خروجاً من الحروب فقط؛ بل هو أيضاً الإطعام من الجوع، والعمل من أجل الحرية الإنسانية والمساواة والكرامة، وإمكانيات المشاركة في إحقاق الجديد والمتقدم، من شروط العيش الإنساني.

فيبقى الحج والترحل إليه من كل «فج عميق»، رمزاً للبحث عن الجديد واستقباله.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحج والأضحى واستقبال الجديد الحج والأضحى واستقبال الجديد



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt