توقيت القاهرة المحلي 09:07:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الإيرانيّون: الحيرة في التّعامل معهم!

  مصر اليوم -

الإيرانيّون الحيرة في التّعامل معهم

بقلم : رضوان السيد

كانت إيران دائماً جاراً للعرب، بينها وبينهم علاقات متشابكة في الجغرافيا والمصالح. بالطبع كانت هناك وما تزال حساسيّات دينيّة وقوميّة وجغرافيّة. وهذه كلّها مثارة الآن. طوال ثلاثة عقودٍ حاول العرب الخليجيّون على وجه الخصوص، بل وسائر العرب، كفّ الأذى الإيرانيّ بالمحاسنة والعقود والتنازلات. كلّف ذلك ملايين القتلى والمهجّرين وخراب العمران.

نحن الآن بعد الحرب الأخيرة والمستمرّة على لبنان بالذات، لكنْ أيضاً على بعض دول الخليج، أمام احتمالاتٍ مستقبليّةٍ غير واعدة تقتضي تغيير سياسات الاحتواء والاستيعاب وغضّ الطرف لجهة حفظ السيادة والدول الوطنيّة والاستقرار الداخليّ.

منذ عام 1985 حتّى اليوم ما كتبتُ في موضوعٍ بقدر ما كتبتُ في موضوعات العلائق بإيران، ولعدّة جهات: جهة المذهب الشيعيّ ونهوضه، وجهة القوميّة وخصوصيّاتها وتطوّراتها، وجهة نفسيّات الملالي وأسرار سلطتهم، وأوّلاً وآخِراً استكناه الشخصيّة الإيرانيّة بشكلٍ عامّ، وخصوصيّات العلاقة بالعرب قديماً وحديثاً.

بالإضافة إلى الاستطلاعات الصحافيّة، كتبتُ عشرات البحوث العلميّة التي نشرت مختاراتٍ منها في كتاب بعنوان “العرب والإيرانيّون، وعلاقات الزمن الحاضر” (2017، 2024). كنتُ قد ترجمت إلى العربيّة كتاب روي متحدة الشهير: “بُردة النبي، الدين والسياسة في إيران” (2004)، وقد طُبع ثلاث مرّات، ويتعاطى مع موضوع الشخصيّة الإيرانيّة، وأسرار قوّة رجال الدين في بلاد الفرس وعلائق الشخصيّة بالقوميّة وبالدين وبعقدة الغرب لدى الإيرانيّين والعرب.
طوال ثلاثة عقودٍ حاول العرب الخليجيّون على وجه الخصوص، بل وسائر العرب، كفّ الأذى الإيرانيّ

اليساريّون أوّل المذهولين بالثّورة

لديّ قصّتان أبدأُ بهما وربّما تكرّرتا عليّ. كنّا جميعاً مذهولين بالثورة الهائلة عام 1979. أوّل المذهولين ليس المتديّنين الشيعة بل اليساريّون الشيعة العرب. وبسبب تخصّصي في العلوم الدينيّة، كثرت عليّ التساؤلات بشأن التشيّع باعتباره مذهباً ثوريّاً وليس مذهب تقيّة كما كان متعارفاً عليه لدى المستشرقين، في تنافسيّةٍ بينهم وبين الخوارج، وقد بدا ذلك في كتاب فلهاوزن المبكر: “الخوارج والشيعة” (2001)، وفي كتاب نولدكه عن القوميّة الإيرانيّة القديمة من خلال ترجمته لأخبار الممالك الفارسيّة القديمة بتاريخ الطبريّ.

المهمّ أنّ هذا الانذهال بالثورة بدأ يخفت حتّى تلاشى بعد عام 1985 عندما اقترب الإيرانيّون من البصرة وصاروا يتداولون في مصائرها بعد احتلالها: هل يضمّونها إلى إيران مع بترولها، أو يقيمون فيها جمهوريّةً إسلاميّةً تمتدّ لاحقاً على كلّ الأراضي العراقيّة؟

الاسترشاد بكتب المستشرقين

أمّا القصّة الثانية فكانت عندما عثرت على دراسةٍ لأردنيّ من آل العتوم عنوانها “صورة العرب في الكتب المدرسيّة الإيرانيّة”. لقد لفت انتباهي في الدراسة أنّ الكتب المدرسيّة الإيرانيّة تسترشد من دون استثناء بكتب المستشرقين حول بداوة العرب وبدائيّتهم واستيلاء الانحطاط على حواضرهم والعداء للآخر في بواديهم. لذلك أدركت أنّ كُتّاب البرامج هؤلاء هم من الشبّان والكهول الذين لم يعرفوا العرب وإنّما قرؤوا عنهم في كتب المستشرقين. ما استرشدوا حتّى بالخبرة الفارسيّة القديمة مع العرب أو مع الإسلام الذي أتى به العرب إلى إيران، وحتّى اللون الشيعيّ منه.

كنت ضدّ الحرب الصدّاميّة على إيران ليس منذ عام 1985 فقط، بل بخلاف معظم الزملاء القوميّين منذ البداية. ظروف إيران ثوريّة وستنصبُّ تلك الطاقة على العراق. ثمّ إنّ الثورة  الإيرانيّة تعاني من مصاعب داخليّة جمّة والحرب الخارجيّة تخدمها وتجمع الناس حولها. تعني مقاتلة إيران الوقوف مع الولايات المتّحدة ضدّها، ولا مصلحة لنا في ذلك، وهو نذيرٌ بمستقبلٍ سلبيّ مع إيران أيّاً يكن نظام الحكم فيها.
عندما اشتدّ النزاع بين ترامب وإسرائيل مع إيران وضربوها، ردّت إيران بهجوم أقوى بعشرات المرّات على دول الاستقرار والتقدّم بالخليج العربيّ

رؤى سلبيّة قديمة

على كلّ حال تدلّ القضيّتان اللتان أوردتهما على رؤى سلبيّة قديمة تعود إلى الصراع على سواد العراق قبل الإسلام، ثمّ إسقاط الإمبراطوريّة الساسانيّة، وهي الدولة الإيرانيّة الأخيرة قبل الفتح الإسلاميّ. وهو أمرٌ لم ينسَه الإيرانيّون أبداً، وبخاصّةٍ القوميّون منهم.

لكنّ اللَّون الشيعيّ الذي اقترن بآل البيت صار خصوصيّةً أخرى مميّزة، وبخاصّةٍ أنّ معظم العرب الفاتحين صاروا سُنّةً ومشوا في نظريّة دولة الخلافة والاختيار في الإمامة، وتوحّد وعيهم من حول دولة الراشدين التي كانت المسؤولة عن السيطرة على إيران.

إنّ هذه الافتراقات القديمة هي التي أخرجت لدى الإيرانيّين أيديولوجية الشعوبيّة أو تيّار التسوية لمقاومة التمييز العربيّ ضدّهم. ثمّ تنوّعت التجربة الإسلاميّة، فالفرس والترك سيطروا على إدارة الدولة والجيوش، والفاطميّون الشيعة أقاموا دولتهم بالمغرب ثمّ بمصر والشام. حسب كثير من المؤرّخين أنّ التمايز السنّيّ/ الشيعيّ والعربيّ/العجميّ صار إلى زوال إلى أن نشب صراع المئتي عام بين الفرس والترك: الفرس باعتبارهم شيعة، والترك باعتبارهم سنّة، مع أنّ الصراع ما كان على الدين بل على المجالات الاستراتيجيّة  والموارد.

إيران

عندما بدأت الدول الوطنيّة بالتكوّن، سيطر الإيرانيّون على إماراتٍ عربيّةٍ على الطرف الآخر من الخليج وتسبّبوا في هجرةٍ عربيّة جديدة بعد السيطرة الشيعيّة في القرن السادس عشر.

ثمّ برزت إيران قطباً في المحور الأميركيّ بعد الحرب وراح الشاه يحاول أن يكون شرطيّاً عندهم. لكن لمّا رأوا عجزه عن إخضاع جمهور الشباب المتحزّب ضدّهم آثروا إزالة الشاه لمصلحة النخبة الدينيّة الجامعة بين قداسة أهل البيت والدوافع القوميّة العميقة، فكان من سوء الحظّ أن شنّ صدّام حسين حربه في زمن الصحوة هذه على الرغم من أنّ الإيرانيّين باسم الثورة والتشيّع هم الذين أصرّوا على التحرّش به.
برزت إيران قطباً في المحور الأميركيّ بعد الحرب وراح الشاه يحاول أن يكون شرطيّاً عندهم

تحسين العلاقة رغم الحساسيّات

إنّ كلّ هذه المقدّمات لأقول إنّ كلّ الحساسيّات كانت حاضرة، وزادها الملالي حضوراً. لكنّ العرب جميعاً بعد وقف النار عام 1988 حاولوا تحسين العلاقات مع إيران بكلّ سبيل. ظلّت هيبة حرب صدّام حاضرةً إلى أن ضرب تنظيم القاعدة الولايات المتّحدة ونشبت الحرب العالميّة على الإرهاب ثمّ غزت أميركا العراق عام 2003 وسلّمته لإيران، واندفعت إيران باتجاه سورية، وقوّتْ “الحزب” بلبنان وتحرّشت بالأردن وبدول الخليج.

كلُّ ذلك ودول الخليج بل وسائر العرب يحاولون كفّ الأذى ومحاسنة إيران، وإيران تزداد هياجاً بحجّة تحرير فلسطين مع أنّ الدول التي اخترقتها في ما بين العراق وسورية ولبنان واليمن سقطت في وهدات القتل والهجرة والخراب والاضطراب، وآخر أزمات إيران ما حصل في غزّة وما يحصل الآن في لبنان.

عندما اشتدّ النزاع بين ترامب وإسرائيل مع إيران وضربوها، ردّت إيران بهجوم أقوى بعشرات المرّات على دول الاستقرار والتقدّم بالخليج العربيّ.

ما هو الأفضل؟

نحن الآن على مشارف مستقبلٍ متوتّرٍ مع إيران بعدما اكتشفت أنّ أقوى سلاحها هو إقفال مضيق هرمز وليس النوويّ أو البالستيّ. صحيحٌ أنّ الإقفال مضرٌّ بكلّ العالم، لكنّ دول الخليج متضرّرة أيضاً من الاضطراب الحاصل وليس من تعذّر تصدير الطاقة أو أكثرها فقط.

لذلك نحن بحاجةٍ بالفعل إلى تشاورٍ واسعٍ وجادّ حول المستقبل للبحث في ما هو النهج الأفضل في العلائق مع إيران. كلّ الحساسيّات الدينيّة والقوميّة حاضرة. تجربة التفاوض والتنازل مع إيران لم تنجح. لا جدوى من الاستمرار في غضّ الطرف أو زيارة إيران مراراً وتكراراً. هل يمكن أن يكون هناك سبيل غير إحناء الرأس أو الاستمرار في عقد الاتّفاقات التي تنقضها إيران على الدوام وتستخفّ بعقولنا ومصالحنا بالزعم أنّها إنّما تقاتل أميركا عندنا؟!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الإيرانيّون الحيرة في التّعامل معهم الإيرانيّون الحيرة في التّعامل معهم



GMT 06:11 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

«كان» يحتضن العالم!!!

GMT 06:09 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

ثمن الاختيار

GMT 06:07 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

عابر للعصور.. شاهد على النظم (1)

GMT 06:05 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

الصين وزيارة العجوز المنفلت

GMT 06:04 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

تغيير العالم إلى الخلف!

GMT 06:00 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

تنظيم «القاعدة»

GMT 05:58 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

إنذار «هوجة» الطيبات!

GMT 05:41 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

يامال... وبرشلونة وفلسطين

سحر التراث المغربي يزين إطلالات النجمات في "أسبوع القفطان" بمراكش

مراكش ـ مصر اليوم

GMT 08:28 2026 الخميس ,30 إبريل / نيسان

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 11:14 2020 الأحد ,05 تموز / يوليو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:11 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

يبشّر هذا اليوم بفترة مليئة بالمستجدات

GMT 17:44 2019 الأحد ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

رجل يقتل زوجته وينتحر بسبب فنان شهير

GMT 00:34 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

سمك مع الأرز على الطريقة اليمنيّة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt