توقيت القاهرة المحلي 21:03:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أميركا بين العلمانية والموجة الدينية

  مصر اليوم -

أميركا بين العلمانية والموجة الدينية

بقلم : إميل أمين

هل تشهد الولايات المتحدة نوعاً من أنواع الصحوة الدينية، بعد أن تراجعت مكانة الدين في البلاد خلال العقود الماضية، وهل يمكن للتجربة الديمقراطية أن تستمر منفصلة عن الإيمان والروحانيات؟

مؤخراً كتب البروفسور غريغوري كونتي، المنّظر السياسي والأستاذ المشارك في قسم العلوم السياسية بجامعة برنستون الأميركية العريقة، مقالاً في صحيفة «واشنطن بوست» عن تراجع المعرفة الدينية، بالتالي الممارسات الروحية، وسط الشباب الأميركي، وقد بلغ الأمر حد أنه وخلال محاضرة له عن الدين وحرية التعبير، راعه ما اكتشفه من عدم دراية هؤلاء بالوصايا العشر.

هل يعني ذلك أن هناك أزمةً حقيقيةً تلف شباب الولايات المتحدة؟

في مؤلفه الشهير «على جناحين»، وصف الفيلسوف الأميركي الكاثوليكي الراحل مايكل نوفان دور العقل والإيمان في تأسيس الولايات المتحدة، وكيف أنهما ساعدا الآباء المؤسسين في وضع لبنات قوية للجمهورية الأميركية، وقد بلغ الأمر بالرئيس إبراهام لنكولن، الذي يعتبره الكثير من الأميركيين خليفة الآباء المؤسسين، أن قال إن أميركا «شعب مختار تقريباً».

على أن الناظر لأميركا في العقود الخمسة الأخيرة، يرى حالة واضحة من التراجع الديني والإيماني، لصالح مساحات واسعة من العلمانية وعدم الدراية، ناهيك عن موجات من التطرف الأخلاقي والانحلال، والترويج للكثير من شواذ الأمور التي تنافي وتجافي الفطرة الإنسانية، وقد كان تيار اليسار الديمقراطي المتشدد إلى حد التطرف وراء تلك الموجات.

لكن على الجانب الآخر، لا تخلو الولايات المتحدة، وكي نكون موضوعيين، من رموز وجماعات لا تزال ترى في أميركا قبساً من الضوء للعودة إلى عمق الحياة الروحية، ونفض غبار التحلل الأخلاقي الذي أصاب الكثير من المواقع والمواضع في داخلها.

هل هي مصادفة قدرية أم موضوعية أن يسعى عشرات الآلاف من الشباب الأميركيين نهار الأحد الماضي في السابع عشر من مايو (أيار) الحالي، للتجمع في منطقة «المول الوطني»، ورفع الصلوات بشكل حار؟

المعروف أنه قبل 250 سنة، أي في عام 1776، وفي اليوم ذاته، أي السابع عشر من الشهر نفسه، أعلن الكونغرس القاري، وهو الهيئة التشريعية والسياسية التي قادت المستعمرات الثلاث عشرة خلال الثورة الأميركية، ذلك النهار يوماً للصلاة، وقد سبق ذلك بوقت قليل إعلان الاستقلال الأميركي في الرابع من يوليو (تموز) من عام 1776.

هل يشبه اليوم الأمس؟

بعيداً عن الصراعات الحزبية، والمنافسة السياسية الضارية، القائمة والقادمة، في كافة بقاع وأصقاع الولايات التي لا تزال متحدة حتى الساعة، يمكن الجزم بأن فراغ العلمانية الجافة، الخالية من أي تنوير بحسب الفيلسوف الفرنسي، ريجيس دوبرييه، ولدت في القلوب حاجة ماسة للعودة إلى الإيمان، ولم تفلح الذكاءات الاصطناعية، أو الحوسبة الكمومية، وكافة وسائل رفاهية الذكاءات الاصطناعية في أن تكون البديل، الذي يصل الأرض بالسماء، ومن هنا يفهم المرء فكرة عودة شباب الأمة إلى الصلاة ورفع الأكف ضارعين خاشعين.

إلى هنا يبدو الأمر مقبولاً ومعقولاً، لكن الإشكالية الحقيقية التي ولدها تجمع الأحد الماضي هو ما رآه البعض مزجاً بين ما هو ديني وما هو سياسي، خلال تلك الفعالية.

تدهشنا البيانات الصادرة عن مركز «بيو» للأبحاث في قلب واشنطن، التي تجزم بأن أكثر من ربع الأميركيين يصفون أنفسهم بأنهم ملحدون، أو «لا أدريون»، أو غير منتمين لأي دين، وهذا معناه أن هناك أكثر من 75 مليوناً من الأميركيين أبدوا حالة من عدم الرضا عن تجمع الصلاة الأخير.

وجه الاعتراض مفاده أن الحدث يكاد يكون التفافاً على وضعية وهوية الجمهورية الأميركية، التي ينص التعديل الأول لدستورها على أن «الكونغرس لا يسن أي قانون يتعلق بتأسيس دين رسمي، أو يمنع حرية ممارسته».

بعبارة أخرى اعتبر الملايين من الأميركيين موجة التدين حقاً شخصياً لكل فرد أميركي، لكن بطابع ولو شبه رسمي، مما يقود إلى شيوع وذيوع فكرة أميركا كدولة تأسست على رؤية أو هوية إيمانية، وهو الأمر الذي يختلف من حوله الأميركيون حتى الساعة.

المثير في تجمع الأحد الماضي، أنه يستبق الاحتفالات التي تجري في عموم البلاد، بمرور 250 عاماً على نشوء وارتقاء الجمهورية الأميركية، والنقاشات الدائرة حول مستقبل البلاد وإلى أين تمضي.

صلاة «المول الوطني» تقودنا من جديد إلى فكرة الثنائية الأميركية الراسخة، ففي حين يستهل إعلان الاستقلال بكلمات «نحن الشعب»، ينقش على الدولار رمز الهيمنة والسطوة لفظة «في الله نحن نثق».

الخلاصة ستظل أميركا دولة علمانية الهوية، مغرقة في الهوى الديني.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أميركا بين العلمانية والموجة الدينية أميركا بين العلمانية والموجة الدينية



GMT 10:08 2026 السبت ,23 أيار / مايو

هل مشكلة إيران في زيادة عدد الشعب؟

GMT 09:58 2026 السبت ,23 أيار / مايو

إدارة الفرصة على الطريقة الصينية

GMT 09:50 2026 السبت ,23 أيار / مايو

مأزق القرار في طهران

GMT 04:25 2026 السبت ,23 أيار / مايو

الزمالك بطلا للدورى.. هل من دروس نتعلمها؟

GMT 04:23 2026 السبت ,23 أيار / مايو

اتفاق أم هدنة لتأجيل الانفجار؟

GMT 04:20 2026 السبت ,23 أيار / مايو

بيزنس الملاعب المدرسية!

GMT 04:18 2026 السبت ,23 أيار / مايو

يوم من عُمرنا

GMT 03:38 2026 السبت ,23 أيار / مايو

واشنطن وبكين ؟!

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 11:49 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

من المستحسن أن تحرص على تنفيذ مخطّطاتك

GMT 06:06 2020 الأحد ,21 حزيران / يونيو

البرازيل على أعتاب 50 ألف وفاة بكورونا

GMT 16:26 2025 الخميس ,23 كانون الثاني / يناير

أفضل الحقائب المنسوجة لهذا الموسم

GMT 10:06 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الكابتن إسلام الشاطر يعلق على أداء الأهلي أمام إنبي

GMT 22:51 2020 السبت ,07 آذار/ مارس

أسعار اللحوم في مصر اليوم السبت
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt