بقلم:سليمان جودة
ما أكثر الأيام التى تحتفل بها الدولة، ويأخذ فيها الموظفون اجازة، وتتعطل فيها المصالح الحكومية، وكلها تتوزع على طول السنة بغير أن يكون فيها اليوم الأهم الذى لا يكاد يذكره أحد.
هذا اليوم هو ١٨ يونيو الذى لا يأخذ فيه الموظفون إجازة، ولا تتعطل فيه المصالح الحكومية، ولا تحتفل به الدولة، مع إنه اليوم الأهم تقريباً بين الأيام التى يحدث فيها هذا كله. وقد كان الأستاذ أشرف مروان، صاحب مكتبة التاريخ هو الذى نبهنى إليه، ثم دعانى إلى أن أنبه الناس فى البلد، لعل أحداً ينتبه.
وحتى لا يقع الخلط أو الاختلاط، أريد أن أسارع لأقول، إن فى تاريخنا المعاصر يومين يحملان الرقم نفسه من الشهر ذاته. فعندنا ١٨ يونيو ١٩٥٣ الذى جرى فيه إعلان الجمهورية وانتهاء عصر الملكية، أو عصر محمد على باشا وأولاده وأحفاده الذى دام قرناً ونصف القرن، وهذا اليوم ليس هو المقصود رغم أهميته طبعاً.
اليوم المقصود هو ١٨ يونيو ١٩٥٦ الذى تذكره كُتب التاريخ على أنه اليوم الذى غادر فيه أرض مصر آخر جندى بريطانى.
هذا يوم يختلف عن كل ما عداه من أيام، حتى ولو كانت قريبة منه أو شبيهة به فى تاريخنا. فأنت قد تتوقف أمام يوم ٢٨ فبراير ١٩٢٨ الذى تقرر فيه إنهاء الحماية البريطانية عن مصر، واشتهر باعتباره يوماً من أيام الاستقلال، ولكنه فى الحقيقة لم يكن كذلك، لأن الحماية البريطانية إذا كانت قد انتهت فيه، فإن القوات البريطانية بقيت فى البلد من بعده كما هى، وبالتالى فالحديث عنه يوماً للاستقلال هو حديث عن شكل لا عن مضمون.
وأنت قد تتوقف أمام يوم ١٥ مارس ١٩٢٢ باعتباره يوم الاستقلال، ففيه أعلن الملك فؤاد أن مصر مملكة مستقلة ذات سيادة، وأعلن تغيير لقبه من سلطان إلى ملك، ولكنه رغم ذلك كله لا يصلح لأن يكون يوماً للاستقلال بالمعنى الحقيقى للكلمة.
اليوم الحقيقى هو يوم ١٨ يونيو ١٩٥٦، لأنه يوم له ما بعده وما قبله.. وإلا.. فهل يجادل أحد فى أن آخر جندى بريطانى كان موجوداً على أرض المحروسة يوم ١٧ يونيو ١٩٥٦ باعتباره جندياً محتلاً، وأن هذا الجندى نفسه لما جاء عليه يوم ١٩ يونيو ١٩٥٦ لم يعد له وجود على أرضنا؟
كل الدول تحتفل بيوم الاستقلال، وإذا سألت أحداً عندنا عن هذا اليوم فى تاريخنا فلن تعثر على يوم محدد، وأظن أن ١٨ يونيو ١٩٥٦ هو هذا اليوم، وهو الذى يستحق من الجهات المعنية فى الدولة أن تتبنى الاحتفال به، وأن تطلقه يوماً للاستقلال نحتفل به كل سنة، ونجعله يوماً للاستقلال بالمعنى الأشمل لكلمة الاستقلال.