توقيت القاهرة المحلي 00:25:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

شاعر الأبقار

  مصر اليوم -

شاعر الأبقار

بقلم - سمير عطا الله

كان هذا الفتى الهائم ينام أحياناً في الحقول قبل أن يعود إلى منزل أهله متعباً منهكاً، ليس من البرودة التي أضنته تحت شجرة التفاح، حيث يستلقي ليكتب الشعر، أو هكذا خيّل إليه، حتى صار مقتنعاً أنه سوف يصبح ذات يوم شاعراً كبيراً بعيداً عن هذا البحر الداكن اللون، الذي لا تكف أسراب البط عن مداعبته طوال النهار وحتى إسدال الغروب.

كل هذه الرومانسيات لم تكن تعني شيئاً لأبيه الذي فقد عمله هو أيضاً، ولذا أرسله يعمل عند أحد الجزارين في المدينة الصغيرة. وسرعان ما اكتشف الجزار أنه كلما أقدم على ذبح بقرة، انزوى مساعده يكتب قصيدة رثائها. قصيدة في حزن الأبقار، وقصيدة في حب الفتيات. بين هذه وتلك، كان يغرق في القراءة، خصوصاً التاريخية منها. ولم يكن الفتى اليافع قد أطلق بعد لحيته الصغيرة، التي سوف تحمل صورته الوحيدة عبر القرون. وضحى كل يوم عطلة يشارك الشبان المراهقين في ساحة البلدة النكات المالحة وقراءة الشعر، والرقص والأفراح البسيطة. وإذ يكبر قليلاً يقرر الخروج من بلدته وعالمها الصغير إلى مدن وأحلامها الكبيرة. وهناك سوف يجرب نوعاً جديداً من الكتابة: الشعر المسرحي. وهنا يبدأ الغوص في معاني الحياة، ويكتشف خداع النساء، ويبدأ في هجائهنَّ. فما هي المرأة إلا «كاذبة»، و«مخادعة»، و«فظة»، و«محتقرة». و«سوداء كالجحيم»، و«كالحة مثل الليل». لا شك أن كل هذه التعابير كانت تدل على إخفاقه في الحب. ولم يكن يكتفي من إغراءاته، مثلما لا تكتفي النار من الحطب والبحر من الأنهار.

«الحبُّ خطيئتي» يقول في إحدى قصائده المليئة بالمرارة. وسوف يتخيل قصصاً مليئة بالعشق والعشاق، متمنياً كان هو وصلها. وفي موجة من الحنين اخترع أشهر عشاق التاريخ، أو بالأحرى، أشهر عاشقين، روميو وجولييت. وكالعادة اختار لهما جمال إيطاليا وروعة مدينة فيرونا، خشبة يفضلان على مسرحها الموت على التفكر للحب. لقد حوّل المسرح إلى مشغل خاص به، وراح يبتدع الأبطال والشخوص غاضبين وسعداء، خائبين ومجلين، وما شاكل ذلك من نماذج البشر التي مكّنته من وضع ثلاثين مسرحية، جعلته أهم الشعراء الإنجليز أمس واليوم وغداً.

الولد الذي كان ينام تحت شجرة التفاح في سترادفورد على نهر أفون، ويكتب القصائد في رثاء الأبقار، أصبح أحد أعظم شعراء العالم. سمّاه صديقه العبقري هو الآخر بن جونسون «طائر البجع الجميل». ولكن شاعر الجمال هو أيضاً شاعر القوسات: عطيل، ريتشارد الثالث، ماكبث، وسائر أسياد الرعد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شاعر الأبقار شاعر الأبقار



GMT 09:11 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

متشابهة

GMT 09:08 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

بلسانٍ إيراني أميركي جليّ

GMT 09:07 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

تخريب العلاقة بين الخليج وأميركا

GMT 08:59 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

معركة العقل العربي ــ الإسلامي

GMT 08:58 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

التحالفات السياسية في عالم بلا مركز

GMT 08:56 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

زمن أفول غطرسة القوة اللاشرعية!

GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 14:25 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

نانسي عجرم تتألق بإطلالات ربيعية ساحرة

GMT 17:06 2022 الإثنين ,26 كانون الأول / ديسمبر

وزير العدل المصري يتحدث عن آخر التطورات بشأن توثيق الطلاق

GMT 16:44 2025 الخميس ,18 أيلول / سبتمبر

لاعبين يسجلون غيابا عن الزمالك أمام الإسماعيلي

GMT 04:47 2024 الجمعة ,03 أيار / مايو

معرض الدوحة الدولي للكتاب ينطلق في 9 مايو

GMT 02:54 2017 السبت ,11 شباط / فبراير

محمد الضمور يوضح فكرة "مسرح الخميس"

GMT 07:53 2020 الخميس ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

باخ يتوجه إلى اليابان للتأكيد على إقامة أولمبياد طوكيو

GMT 02:49 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

"إنفينيتي" تعلن عن نوعين من محركات السيارات الكهربائية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt