توقيت القاهرة المحلي 14:30:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مواطن بدرجة «سمسار»

  مصر اليوم -

مواطن بدرجة «سمسار»

بقلم - د. محمود خليل

تتفاوت الدول العربية فى قدراتها، وحجم ثرواتها، ومستوى معيشة مواطنيها، وتتوزّع على هذا المستوى ما بين دول مقتدرة وأخرى تعانى، لكنها تتفق جميعها على الاعتماد على مصادر ريعية فى تحصيل دخلها القومى. والريع هو العائد الناتج عن ثروة طبيعية أو موروثة يملكها المجتمع، والمجتمعات العربية فى ذلك أشبه بمن يعتمد فى دخله على إيجار عمارة ورثها عن أبيه، أو شخصاً وجد كنزاً فى باطن الأرض التى يعيش فوقها، فأتى بمن يستخرجه له، نظير أن يعطيه جزءاً منه كل شهر أو كل سنة حسب الظروف.

الفكر الريعى بعيد أشد البُعد عن الاقتصاد بمفهومه الإنتاجى الذى يعتمد على الصناعة والزراعة وعلى الأعمال التجارية التى تقوم على إنتاج سلع يحتاجها العالم فتتحرك إلى أسواقه. الفكر الريعى جعل أهم وظيفة يحب العربى أن يؤديها هى وظيفة «السمسرة»، لكونها لا تتطلب جهداً كبيراً وتحقق أرباحاً ضخمة. السمسرة قد تأخذ شكل الوظيفة الصريحة، مثل البواب الذى يُسمسر فى إيجار وبيع الشقق داخل العمارة التى يعمل فيها (البيه البواب)، وقد تأخذ شكلاً مستتراً حين تصبح السمسرة جوهر العمل، فيتحول بعض المعلمين الطبيعيين إلى مدرس خصوصى يحقّق أرباحاً كبيرة عبر السمسرة فى بلادة التلاميذ وشهوة الأسر فى الشهادات، ويتحول بعض الأطباء الطبيعيين إلى سماسرة أدوية لحساب الشركات التى تعطيهم أكثر، ويتحول المهندس الطبيعى إلى «مقاول»، ويتحول الموظف فى أى موقع إلى «مشهلاتى» وهكذا.

الفارق بين الاقتصاد الإنتاجى والاقتصاد الريعى هو الفارق ببساطة بين الاستثمار والفساد. فالاستثمار يعنى استغلال القدرات المتاحة وبذل الجهد فى تدويرها لتربح أكثر، أما الفساد فيعنى استغلال الموقع -وليس القدرات- من أجل تحقيق الأرباح. ونتيجة الاستثمار معروفة، إذ تعنى سيطرة الفكر الإنتاجى على كل مناحى الحياة داخل المجتمع، ونتيجة الفساد معروفة هى الأخرى، إذ يؤدى إلى سيطرة الفكر الاستهلاكى على نواحى الحياة، بما يتعلق به من سوء أداء تظهر تجلياته فى كل لحظة.

سيطرة «السمسرة» على شتى نواحى حياة الإنسان العربى لها مردود اجتماعى جوهره سيطرة الثقافة الاستهلاكية، فالمال السريع السهل الذى يستطيع تحصيله من يجيدون لعب دور السمسار، أو تواتيهم الفرص لذلك، يشجّع على الاستهلاك، كما أن السمسرة تمنح صاحبها وقتاً كافياً للاستهلاك، لأنها لا تتطلب جهداً أو وقتاً فى أدائها، وعدم اعتمادها على إنتاج حقيقى يتطلب بذل جهد، ولك أن تتخيل فى المجمل حالة اللخبطة التى يُحدثها المتربحون من السماسرة داخل الأسواق المختلفة والنتائج المترتبة على ذلك بالنسبة لمن لا تواتيهم فرصة للعب دور «السمسار»، وكم النقمة التى يشعرون بها، وهم يجدون أصحاب المال السهل يشعلون الأسواق من حولهم، بسبب عدم امتلاكهم ما ينفقون.

سوف يكتب للشعوب العربية طرق باب المستقبل، وتحقيق حلمهم فى الحياة الآدمية اللائقة على جميع المستويات، إذا تعلموا أن الإنتاج هو سبيل البقاء فى عالم بات العلم فيه هو الثروة الحقيقية، والاستثمار وليس التربح بالفساد هو سبيل الاستقرار، وأن الاقتصاد الحقيقى صناعة وزراعة وتجارة وليس ريعاً، والاستهلاك الناتج عن السمسرة هو طريق الهلاك.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مواطن بدرجة «سمسار» مواطن بدرجة «سمسار»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

النجمات يتألقن بفساتين سهرة وردية في ختام أكتوبر الوردي

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 13:51 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

ترمب يدعو الإسرائيليين للتصويت لنتنياهو قبل انتخابات حاسمة
  مصر اليوم - ترمب يدعو الإسرائيليين للتصويت لنتنياهو قبل انتخابات حاسمة

GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

لقاح جديد لسرطان الجلد يخفض خطر عودة المرض أو الوفاة بنسبة 42%
  مصر اليوم - لقاح جديد لسرطان الجلد يخفض خطر عودة المرض أو الوفاة بنسبة 42%

GMT 23:09 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحوت الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 22:59 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 14:28 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير المصري تدعم إستمرار ميمي عبد الرازق كمدير فني

GMT 06:44 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

أفضل 10 وجهات سياحية دافئة للشتاء

GMT 14:08 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

تجدد حبس قاتلى الطفلة "فاطمة" 15 يومًا على ذمة التحقيقات

GMT 17:03 2020 السبت ,03 تشرين الأول / أكتوبر

تفاصيل وصول 97 فرنسيا لمطار مرسى علم الدولي

GMT 04:17 2015 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

"هيونداي" تكشف النقاب عن سيارتها الجديدة "توسان"

GMT 11:14 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

لا ترجعي...! :

GMT 14:43 2024 الثلاثاء ,17 أيلول / سبتمبر

أحمد مالك وطه دسوقي يجتمعان في "ولاد الشمس" رمضان 2025

GMT 15:14 2021 الثلاثاء ,05 تشرين الأول / أكتوبر

النحات المصري أحمد موسى يكشف كواليس صنعه لتمثال ممشى أهل مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt