توقيت القاهرة المحلي 02:34:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حبال الصبر الممدودة

  مصر اليوم -

حبال الصبر الممدودة

بقلم - د. محمود خليل

الصبر الذي تحدث عنه القرآن الكريم هو الصبر على البلاء، كما يتضح لنا في قوله تعالى: «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ» إلى آخر الآية الكريمة، ويمدد البعض حبال الصبر لتشمل، بالإضافة إلى الصبر على البلاء، الصبر على الظلم، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ»، وقوله: «وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» وقوله: «وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ».

وظني أن معنى الصبر في الآيات الأخيرة يتوقف عند حد الصبر على الإساءة، فإذا أساء إليك أحد وبادلته الإساءة بالإحسان، فقد يدفعه ذلك إلى مراجعة نفسه وإدراك خطئه، فيحيل سلوكك الطيب العداوة إلى صداقة حميمة بينك وبين الغير، وليس هناك شك أن التسامي على أخطاء وإساءات الآخرين خُلق لا يقوى عليه إلا أصحاب العزم من الصابرين القادرين على السيطرة على مشاعرهم وعدم السقوط في حبائل الشيطان الذي يسعى إلى إلقاء العداوة والبغضاء بين البشر؛ فالصبر هنا على الإساءة وليس على الظلم، وحتى لو فهم من الآيات الكريمة الدعوة إلى ذلك، فإنها تعني مواجهة الظلم بالصبر كخطوة أولى، فقد يدفع ذلك الظالم إلى مراجعة نفسه والتوقف عن ظلمه، وبالتالي تنحل المشكلة، لكن ماذا تكون الحال إذا أصر على الظلم.. هل مطلوب من الإنسان أن يواصل الصبر؟

تقديري -والله أعلم- أن الصبر على الظلم مجرد خطوة في مواجهته، لكن إذا استمر الظالم على ظلمه فلا بد من الأخذ على يده، وهناك العديد من الآيات القرآنية الكريمة التي تؤكد هذا المعنى. فقد ذكر الله الظالمين من بين أصناف البشر الذين لا يحبهم.. يقول تعالى: «إنه لا يحب الظالمين». وهو يدعو المظلومين إلى الانتصار لأنفسهم ممن ظلمهم.. يقول تعالى: «وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ. وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».

وقد وصل الأمر إلى حد توجيه المظلوم إلى ترك المجتمع أو البيئة الظالمة في حالة إحساسه بالعجز عن المواجهة أو الأخذ على يد ظالمه، فالأفضل له في هذه الحالة أن يترك هذا المجتمع وتلك البيئة إلى واقع أكثر عدلاً وصلاحاً، ومن يرضَ بالظلم فى هذه الحالة وصفه القرآن بأنه «ظالم لنفسه».. يقول تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا». وعقاب الله للمجتمعات التي يسودها الظلم لا يتوجه إلى الظالمين ويستثني المظلومين، بل يضرب الاثنين معاً.. يقول تعالى: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ».

الصبر على الظلم ليس خلقاً محموداً، بل من أذمِّ الأخلاقيات التي يمكن أن يتمثلها الإنسان في حياته.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حبال الصبر الممدودة حبال الصبر الممدودة



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt