توقيت القاهرة المحلي 04:11:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حبال الصبر الممدودة

  مصر اليوم -

حبال الصبر الممدودة

بقلم - د. محمود خليل

الصبر الذي تحدث عنه القرآن الكريم هو الصبر على البلاء، كما يتضح لنا في قوله تعالى: «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ» إلى آخر الآية الكريمة، ويمدد البعض حبال الصبر لتشمل، بالإضافة إلى الصبر على البلاء، الصبر على الظلم، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ»، وقوله: «وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» وقوله: «وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ».

وظني أن معنى الصبر في الآيات الأخيرة يتوقف عند حد الصبر على الإساءة، فإذا أساء إليك أحد وبادلته الإساءة بالإحسان، فقد يدفعه ذلك إلى مراجعة نفسه وإدراك خطئه، فيحيل سلوكك الطيب العداوة إلى صداقة حميمة بينك وبين الغير، وليس هناك شك أن التسامي على أخطاء وإساءات الآخرين خُلق لا يقوى عليه إلا أصحاب العزم من الصابرين القادرين على السيطرة على مشاعرهم وعدم السقوط في حبائل الشيطان الذي يسعى إلى إلقاء العداوة والبغضاء بين البشر؛ فالصبر هنا على الإساءة وليس على الظلم، وحتى لو فهم من الآيات الكريمة الدعوة إلى ذلك، فإنها تعني مواجهة الظلم بالصبر كخطوة أولى، فقد يدفع ذلك الظالم إلى مراجعة نفسه والتوقف عن ظلمه، وبالتالي تنحل المشكلة، لكن ماذا تكون الحال إذا أصر على الظلم.. هل مطلوب من الإنسان أن يواصل الصبر؟

تقديري -والله أعلم- أن الصبر على الظلم مجرد خطوة في مواجهته، لكن إذا استمر الظالم على ظلمه فلا بد من الأخذ على يده، وهناك العديد من الآيات القرآنية الكريمة التي تؤكد هذا المعنى. فقد ذكر الله الظالمين من بين أصناف البشر الذين لا يحبهم.. يقول تعالى: «إنه لا يحب الظالمين». وهو يدعو المظلومين إلى الانتصار لأنفسهم ممن ظلمهم.. يقول تعالى: «وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ. وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».

وقد وصل الأمر إلى حد توجيه المظلوم إلى ترك المجتمع أو البيئة الظالمة في حالة إحساسه بالعجز عن المواجهة أو الأخذ على يد ظالمه، فالأفضل له في هذه الحالة أن يترك هذا المجتمع وتلك البيئة إلى واقع أكثر عدلاً وصلاحاً، ومن يرضَ بالظلم فى هذه الحالة وصفه القرآن بأنه «ظالم لنفسه».. يقول تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا». وعقاب الله للمجتمعات التي يسودها الظلم لا يتوجه إلى الظالمين ويستثني المظلومين، بل يضرب الاثنين معاً.. يقول تعالى: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ».

الصبر على الظلم ليس خلقاً محموداً، بل من أذمِّ الأخلاقيات التي يمكن أن يتمثلها الإنسان في حياته.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حبال الصبر الممدودة حبال الصبر الممدودة



GMT 06:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 06:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 06:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 06:07 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 06:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 06:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 05:58 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 05:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt