توقيت القاهرة المحلي 03:53:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الغنى والطغيان

  مصر اليوم -

الغنى والطغيان

بقلم - د. محمود خليل

المتأمل لآيات الذكر الحكيم يلاحظ رحمة الله وعطفه على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، والدعوة المتكررة لدعمهم والتصدق عليهم وإيوائهم، في الوقت الذي تجد فيه بعض الآيات التي تربط بين الغني وبعض الآفات الإنسانية، مثل الطغيان، والفسق، والفساد، والعلو في الأرض وغير ذلك.

يقول تعالى: «كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى»، فالاستغناء قد يؤدي إلى طغيان الإنسان، والاستغناء في الآية الكريمة يأتي بالمعنى العام، فهو يعني التمتع بالمال والثروة، ويعني الغنى بالأهل والعشيرة (العزوة)، ويعني الإحساس بالجاه والنفوذ والسيطرة، بعبارة أخرى يشمل معنى الاستغناء كافة المؤشرات التي تمنح صاحبها إحساسًا بالقوة والسطوة على الآخرين.

والمستغنون المترفون داخل أي مجتمع يمثلون عناصر تهديد له، وليس كل غني مترفًا، فهناك أغنياء يعرفون فضل الله عليهم، ويختلف هؤلاء عن «المترف» الذي يعتقد أن ما حازه من مال أو جاه أو نفوذ مرده علمه وشطارته، تمامًا مثلما ردد «قارون» حين طلب منه قومه ألا يغتر بما يملك، قال تعالى: «إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ».

لقد رد «قارون» على ناصحيه، كما يحكي القرآن الكريم في سورة «القصص»، قائلًا: «قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي».

فارق كبير بين من يعترف بفضل الله ويعلم أنّ الله هو المعطي الوهاب، وبين من ينسب لنفسه الفضل وينسى رب الخير والفضل.

من هذا المنظور يشكل المترفون داخل أي مجتمع عنصر تهديد له، كما ذكرت لك، وفي هذا السياق تستطيع أن تفهم قوله تعالى في سورة «الإسراء»: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا».

ويشير «الطبري»، في تفسيره للآية الكريمة، إلى أن الله إذا أراد بقوم صلاحًا، بعث عليهم مصلحًا، وإذا أراد بهم فسادًا، بعث عليهم مفسدًا، وإذا أراد أن يهلكهم، أكثر مترفيهم، ومعنى «أمرنا» أي أكثرنا، وفي ظني أن الكثرة قد تكون كثرة عددية بزيادة أعداد المترفين الفاسقين، وقد تكون بالبروز النوعي، أي تصدر المترفين للمشهد داخل المجتمع، فيتولون أمر إفساده وزعزعة أوضاعه.

فالمترفون بطبيعتهم يميلون إلى العلو في الأرض وما أكثر ما يفسدون وهم يسيرون في طريقهم نحو الصدارة، وقد ضرب الله تعالى مثلًا لنا على ذلك بـ«قارون» أيضًا، والذي اختتمت قصته بقوله تعالى: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ».

فالنهاية المؤلمة التي انتهى إليها «قارون» حين خسف الله به وبماله الأرض مثلت نتيجة طبيعية لتجبره وتكبره، فالعلو هو التكبر في الحق، حين تكون الحقيقة واضحة أمام الإنسان فينكرها ولا يقبلها، ويذيع الباطل بدلًا منها، أما الفساد فمعناه الأخذ بغير الحق، وهو يمثل قمة الفساد في الأرض.

والعاقبة دائمًا للمتقين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الغنى والطغيان الغنى والطغيان



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt