بقلم: د. محمود خليل
مؤكد أنك تسمع كثيراً عبارات مثل: الحكومة الرقمية، والإعلام الرقمى، والتعليم الرقمى، والبوابة الرقمية، والتحقق الرقمى، وعبارات أخرى كثيرة شبيهة، القاسم المشترك بينها هو وصف «رقمى»، ومؤكد أنك تفهم من هذا الوصف طريقة أو أسلوباً فى الأداء يعتمد على مواقع التواصل الاجتماعى ومواقع الإنترنت، تتمكن فيه من إنهاء أعمالك وأنت جالس فى البيت أمام شاشة، فتصل إليك الأخبار على الجاهز على حسابك على «الفيس بوك»، وتستطيع أن تنجز الكثير من الأعمال وأنت جالس فى بيتك أيضاً، مثل تحديث بيانات بطاقة تموين، أوالتعليم تجديد رخصة سيارة، أو حضور محاضرات، أو المشاركة فى مؤتمرات وغير ذلك، ولعلك تسمع أيضاً عن برامج الذكاء الاصطناعى، وكيف يلجأ إليها شباب اليوم فى كل شىء، بدءاً من حل الواجب المدرسى، مروراً باستفتاء هذه البرامج فى بعض المشكلات النفسية، وانتهاء بالشكوى من صداع مفاجئ والتعرف على طرق علاجه، وهكذا.
كل شىء حولنا أصبح رقمياً، والحصول على الأشياء بات ممكناً عن طريق الأدوات الرقمية.. السؤال الآن: هل عرفت أن الرقمنة وصلت إلى الدين وأن هناك اليوم ما يسمى بـ«التدين الرقمى»؟
00:00
% Buffered
00:00 / 00:00
Copy video url
Play / Pause
Mute / Unmute
Report a problem
Language
Share
Vidverto Player
نحن أمام نوع جديد من التدين اسمه «التدين الرقمى»، يمارس فيه الناس بعض الطقوس والشعائر الدينية عبر مواقع التواصل الاجتماعى، ويستفتون المشايخ الإلكترونيين، وعلى رأسهم «الشيخ جوجل»، فى أمور دينهم، ويحصلون فيه على المعلومة الدينية «أون لاين» من خلال تصفح مواقع التواصل، أو من خلال التفاعل مع بعض مواقع المؤسسات الدينية الرسمية، أو بعض الحسابات الشعبية لعدد من الشخصيات الدعوية الشهيرة.
لقد أصبح البعض يمارس الدين أو التدين اليوم عبر منشور إلكترونى على موقع من مواقع التواصل، كأن يرسل أحدهم رسالة عبر «واتساب» أو «فيس بوك» كل يوم جمعة يقول لمن حوله «جمعة مباركة»، أو يصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ويدعو غيره إلى ذلك، أو بث منشور يشتمل على دعاء، أو استغفار، أو ذكر لله، أو صلاة على رسوله، أو آيات قرآنية، أو أحاديث نبوية أو غير ذلك.
التدين الرقمى يقدم صورة جديدة لممارسة الدين تختلف عن الصورة التقليدية المتعارف عليها. فالمتدين التقليدى هو ذلك الشخص الذى يرتاد المساجد، ويلهج لسانه بالعبارات الدينية، ويزين خطابه بـ«قال الله وقال الرسول»، ويحاول التأكيد فى كل سلوكياته على حسن علاقته بالله والتزامه بأوامره ونواهيه، والالتزام بقيم وأخلاقيات الدين فى سلوكياته ومعاملاته مع الآخرين. أما المتدين الرقمى فهو متدين متحرر من القيود التقليدية للممارسات الدينية، ليعيد تصورها أو صياغتها عبر شاشة، يمارس من خلالها بعض التعابير الروحية (التعبير عن حب الله ورسوله وحب من حوله) عبر مواقع التواصل، ويمارس بعض الشعائر الدينية وهو جالس أمام الشاشة، مثل الدعاء والتسبيح والذكر، ويؤدى بعض الواجبات الدينية عبرها، مثل السؤال على المريض والدعاء له بالشفاء، أو الترحم على الموتى والعزاء لذويهم، بالإضافة بالطبع إلى الحصول على الفتاوى الدينية وغير ذلك.
التدين الرقمى أو ممارسة الدين عبر فضاءات الواقع الافتراضى بات جزءاً لا يتجزأ من حياتنا الدينية المعاصرة.. ولك أن تتخيل فى ضوء التحولات التى أحدثها فى أنماط التدين كيف يمكن أن يصبح الشكل الذى نؤدى به الصلاة أو الحج أو العمرة وغير ذلك من شعائر الدين فى المستقبل؟