بقلم: د. محمود خليل
موضوع الرزق من الموضوعات الحاضرة في كتاب الله الكريم بكثافة، فقد تناولته آيات كثيرة في سياقات مختلفة، والاستخلاص الأساسى الذى يصح أن تنتهى إليه من تأمل هذه الآيات أن المقصود بالرزق: كل المعطيات التى ترتكز عليها حياة الإنسان، وعلى رأسها الأكل والشرب، فلا حياة للإنسان إلا بهذين المعطيين.. يقول تعالى: «كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ»، أضف إلى ذلك كل معطيات الرزق الأخرى مثل: المال، والولد، والصحة، وكل ما يمكن أن يفيض به الإنسان على نفسه أو على غيره.
ومن السمات الأساسية التى عرف الله تعالى بها المتقين هى الإنفاق مما رزقهم الله، بالإضافة بالطبع إلى الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة.. يقول تعالى: «ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ».
وثمة إشارات متنوعة في القرآن الكريم إلى أن الله تعالى يمنح أشكال وأصناف الرزق لكل إنسان بمقدار مُحدّد وبما يخدم صالحه، فهو سبحانه يبسط الرزق للبعض، ويقدر الرزق على آخرين، ومقدار الرزق يتحدّد على أساس علم الخالق بكل عبد من عباده وبما يحتاجه.. يقول تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادهِ خَبِيراً بَصِيراً». وقد يظن إنسان -حين يقارن رزقه برزق غيره- أن الله تعالى بسط الرزق لغيره وأعطاه أكثر منه. النظرة القصيرة المتعجلة قد تسوق الإنسان حين يتأمل نفسه مقارنة بغيره إلى هذا الاستخلاص، لكن الأمر يختلف حين يخوض تجربة تعلمه المعنى الحقيقى للرزق، وكيف يتعامل العاقل مع هذه المسألة.
الله تعالى أرشدنا إلى تجربة من هذا النوع في قصة قارون، حين تمنى من حوله ثروة مثل ثروته وحظاً مثل حظه: «فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ». وقد أدرك هؤلاء، بعد أن خسف الله تعالى به وبداره وماله الأرض، سُخف تفكيرهم، وأنهم هم الأكثر ثروة والأوفر حظاً من قارون الذى دفنه غروره في باطن الأرض: «وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ».
الله تعالى يعطى الرزق بمقدار معين لكل إنسان، أو بالقدر الذى يناسبه حتى يحميه من شر نفسه، يقول تعالى: «وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادهِ لَبَغَوْا فِى الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ».
يقول «ابن كثير» في تفسيره لهذه الآية الكريمة: «لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق، لحملهم ذلك على البغى والطغيان من بعضهم على بعض، خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك، وقوله: «وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ» أى: ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم، كما جاء في الحديث الشريف: «إن من عبادى لمن لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادى لمن لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه».
سَلِّم أمرك لله تسلم.