توقيت القاهرة المحلي 21:16:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لماذا انصدم البعض من واقعية عبدالناصر؟

  مصر اليوم -

لماذا انصدم البعض من واقعية عبدالناصر

بقلم - عماد الدين حسين

لماذا أصيب كثيرون من محبى الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر بالصدمة من بث المحضر الصوتى للقاء بينه وبين الرئيس الليبى الأسبق معمر القذافى الذى تم فى ٤ أغسطس ١٩٧٠؟
الإجابة ببساطة لأن هؤلاء لديهم تصور ثابت يقترب من اليقين بأن عبد الناصر لا يمكن أن يقول مثل هذا الكلام رغم أنهم لو دققوا فى البحث لاكتشفوا أن عبدالناصر قال ذلك الكلام بأكثر من صيغة وعلنا وفى محاضر رسمية مذاعة ومعلنة منذ عودته عن قرار التنحى فى ١٠ يونيو ١٩٦٧ وحتى رحيله المفاجئ فى ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠.
عبدالناصر لا يمكن أن يكون مسئولا عن هذا الانطباع أو تلك الصدمة، والمؤكد أن عبدالناصر ما بعد ٥ يونيو ١٩٦٧ غير عبدالناصر ما قبل هذا التاريخ.
قبل الهزيمة كانت لدى عبدالناصر أحلام وطموحات وآمال عظيمة، وهنا أتحدث فقط عن العلاقات الدولية والصراع مع إسرائيل، وليس عن السياسات الداخلية خصوصا العدالة الاجتماعية.
بعد ١٩٦٧ صار عبدالناصر رئيسا شديد الواقعية، لا يطلق الكثير من الشعارات، بل ركز معظم جهده على إعادة بناء القوات المسلحة، وأن يصبح معظم المجندين من حملة المؤهلات العليا، حتى يكونوا قادرين على التعامل مع الأسلحة الحديثة.
وبسبب ما حدث أدرك ناصر أن الاتحاد السوفييتى يؤيده فعليا، لكن لديه حسابات أيضا فى علاقاته مع أمريكا ومع الغرب.
فى أوراق عبدالناصر العديد من الأدلة على أنه صار إنسانا مختلفا إلى حد كبير بعد الهزيمة. هو قال فى محاضر منشورة للحكومة تارة وللاتحاد الاشتراكى تارة أخرى ما معناه أنه يتعجب من أن الشعب لم يخرج عليهم ليضربهم بالرصاص أو بالأحذية بسبب النكسة، وأنه كان قد فقد السيطرة على الجيش منذ عام ١٩٦٠، ولم يكن قادرا على تغيير المشير عبدالحكيم عامر، وأنه أخطأ كثيرا بسبب عدم وجود تعددية حقيقية داخل المجتمع، بل إنه تحدث عن ضرورة وجود معارضة فعلية، لكن ما حسم هذا الأمر أو على الأقل أجّله وجمّده هو قول الفريق أول محمد فوزى وزير الحربية، إن الجنود على الجبهة لا يستطيعون الاستعداد للحرب فى ظل هذه الانتقادات المستمرة الموجهة إليهم، وبعد ذلك رفع شعار لا شىء يعلو على صوت المعركة. وتأجيل كل شىء حتى إزالة آثار العدوان.
بعد ١٩٦٧ صار عبد الناصر أكثر إدراكا للحقائق على الأرض ومعظمها حقائق لم تكن واضحة من قبل، وربما لم يحب أن يراها أو تم تغييبه عنها.
أدرك عبدالناصر أكثر أنه يحارب أمريكا فعلا وليس قولا وأدرك أن إسرائيل ليست هذا الكيان الهش الذى كانوا يسخرون منه، وأدرك أكثر أن غالبية الحكومات العربية تقدم الكلام أكثر من الأسلحة والمساعدات وأنه عمليا لا توجد إلا مصر فى قلب المعركة.
بسبب كل هذه الخلفية صار عبدالناصر شديد الواقعية، ولهذا جدد قبول مبادرة وزير الخارجية الأمريكى وليام روجرز فى ٢٢ يوليو ١٩٧٠، حتى يتمكن من إكمال بناء حائط الصواريخ ويوقف الغارات الإسرائيلية على العمق المصرى، وكذلك حتى يختبر مدى جدية الولايات المتحدة فى تنفيذ القرار ٢٤٢ القاضى بانسحاب إسرائيل من الأرض التى احتلتها فى يونيو ٦٧.
هذا هو الواقع والأكثر واقعية أن العديد من الأنظمة العربية التى كانت ترفع شعار النضال والكفاح المسلح لم تكن تملك إلا الكلام والمزايدات على عبدالناصر وعلى كل الرؤساء المصريين الذين أتوا من بعده.
مصر حاربت ٤ حروب فى ١٩٤٨، و١٩٦٥، و١٩٦٧، و١٩٧٣، ولم تتلق إلا أقل القليل من المساعدات العربية.
وبالتالى فهذه الخلفية أدركها عبدالناصر، لكن العديد من محبيه وأنصاره لم يدركوها فعليا، وحتى لو أدركوها فإن بعضهم ظل منكرا لها، وهو أمر لا يسىء لعبد الناصر قدر ما يسىء إلى من لم يرد أن يرى الحقائق على الأرض.
نفسيا وشعوريا وسياسيا ظل بعض أنصار عبدالناصر يريدون أن يروا هذه الصورة فقط المتعلقة بمحاربة إسرائيل طوال الوقت، حتى لو لم تكن الظروف والموارد والإمكانيات تسمح بذلك. وهذه الفئة هى التى تأثرت كثيرا ببث جلسة اللقاء بين ناصر والقذافى.
لكن ـ وهذا هو الأهم ــ الأمر لم يزعج فقط بعض أنصار ناصر، لكنه أزعج أكثر جمهور التيار الإسلامى الذى فكّر بنفس تفكير أنصار عبد الناصر ومحبيه، وهذا الأمر لا يتعلق بمحاكمة الماضى، بقدر ما يستهدف المستقبل، وتلك هى ربما كلمة السر فى صدمة بث لقاء ناصر والقذافى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا انصدم البعض من واقعية عبدالناصر لماذا انصدم البعض من واقعية عبدالناصر



GMT 09:12 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

شقراء القرن

GMT 09:11 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الدور الإيراني في تدمير الحلم الفلسطيني

GMT 09:08 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الزعيم كيم و«شيخ الجبل سنان»

GMT 09:05 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الاستنزاف الذي لا ينتهي!

GMT 09:03 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الوعي المتقطع بإشارات الأرض

GMT 09:01 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

حرب غريبة وتغطيتها غريبة

GMT 08:59 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

جنوب لبنان بين هدنة هشّة ونداء صلب

GMT 06:55 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

نجيب محفوظ يقول: «لا أفكر في الخلود»!

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 02:44 2025 الأربعاء ,21 أيار / مايو

تكساس الأميركية تسجل 4 إصابات جديدة بالحصبة

GMT 09:36 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الدلو

GMT 02:30 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

وصفة طبيعية لتفتيح الهالات السوداء تحت العين

GMT 21:19 2017 الأحد ,04 حزيران / يونيو

زهير مراد يعلن عن فساتين زفاف لربيع وصيف 2017

GMT 11:21 2025 الأحد ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

عبايات عصرية مستوحاة من أسلوب مدونات الموضة الإماراتيات

GMT 15:23 2025 الجمعة ,12 أيلول / سبتمبر

مواصفات هاتف هونر الجديد Honor X50i+

GMT 08:06 2018 الأربعاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

فوائد الشمام لتخفيض خطر الإصابة بأمراض الرئة

GMT 10:44 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الأهلي يواجه الزمالك في ختام سوبر اليد الليلة

GMT 23:37 2021 الإثنين ,11 تشرين الأول / أكتوبر

مباحثات بين أمير قطر وملك الأردن الثلاثاء في الدوحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt