بقلم: طارق الشناوي
بينما كل الأخبار الآتية من (برلين) تؤكد أن درجة الحرارة تنتقل بمعدل غير مسبوق إلى ما دون الصفر، كما ان السماء الملبدة بالسحاب والثلوج والأمطار كثيرًا ما أدت إلى تأخير بعض الرحلات الجوية بضع ساعات، مهرجان (برلين) الذى يفصلنا عنه ساعات، يحتفل بدورته رقم 76 بعد 48 ساعة، صارت تقترب فعالياته من بداية شهر رمضان، والذى بطبعه لا يشكل فقط حالة روحية ولكنه يصبغ الحياة بكل تفاصيلها بمذاق خاص تلعب فيه الدراما التليفزيونية دور البطولة، ويخفت فى نفس الوقت الاهتمام بالسينما.. وهكذا تعودنا أن نرى يافطة (مغلق للتحسينات) ترفعها العديد من دور العرض مع بدايات الشهر الكريم، والسبب الحقيقى هو أن الجمهور لن يغادر منزله، فهو قابع أمام المحطات التليفزيونية والمنصات. هذا العام سيتوافق الأسبوع الثانى من مهرجان (برلين) مع شهر رمضان.. والعام القادم ستجد أن كل فعالياته قد تطابقت.. الفارق 11 يومًا بين السنة القمرية والشمسية، يجعلنا على مدى ثلاثة أعوام نعيش فى ظل هذا المأزق.
تعودنا أن كل الأنشطة الفنية والثقافية فى عالمنا العربى فى العادة تتأجل؛ لأن الحياة تتغير أساسًا، الأمر من الممكن فى عالمنا العربى التحكم فيه، ولهذا تجد كل المهرجانات والفعاليات تبتعد عن التوافق مع رمضان، ولكن لا يمكن أن نطلب من مهرجان أوروبى أن يبتعد عن رمضان، والذى بطبعه بقدر ما هو حالة روحانية فهو أيضا يحمل ظلالا اجتماعية.
العروض الصحفية تبدأ مساء الغد، لنا كسينما عربية فى المسابقة الرسمية الفيلم التونسى (بيت الحس) للمخرجة ليلى أبو زيد، ويفتتح الفيلم اللبنانى (لمن يجرؤ) قسم (البانوراما) للمخرجة دانيال عربيد، وتشارك مصر فى هذا القسم بفيلم (خروج آمن) للمخرج محمد حماد، الذى شاهدت له قبل نحو 10 سنوات فيلمه الأول الممتع الجرىء (أخضر يابس) فى مهرجان دبى، عندما يظل مخرجًا موهوبًا كل هذه السنوات ينتظر إنجاز فيلمه الثانى، هذه تكفى جدا لندرك حجم المأساة التى تعيشها السينما المصرية التى لا تسمح لأى سينمائى مهما بلغ حجم موهبته فى الخروج عن النوع الذى تعودت عليه. فلسطين أيضا لها مشاركة رسمية فى المهرجان بفيلم (وقائع زمن الحصار)، إخراج عبد الله الخطيب.
سنلاحظ فى (برلين) زيادة عدد الأفلام التى تحمل بصمة إخراج نسائية داخل المسابقة صارت 9 أفلام، تتجاوز 40 فى المائة من عدد الأفلام المشاركة. دائمًا برلين تتصدر المشهد فى الانحياز للمرأة، لا توجد توجيهات مباشرة وإلا أصبح الاختيار متعسفًا. أعتقد أن جزءًا من المخرجات صرن يفضلن الاشتراك فى برلين عن المهرجانات الأخرى المنافسة، الذى ذهب إلى نقطة أبعد فى علاقته بالمرأة، وهى إلغاء تصنيف مسمى جائزة أحسن ممثل وأحسن ممثلة لتصبح منذ نحو 5 سنوات جائزة فقط للتمثيل يحصل عليها رجل أم امرأة.. مما أدى إلى أن النساء المبدعات صرن يطالبن بالمعاملة بالمثل.
أتذكر قبل نحو 7 سنوات مظاهرة يوم الافتتاح، أحاطت قصر مهرجان (كان) السينمائى على شاطئ الريفييرا، بسبب ضآلة الحضور النسائى فى أقسام المهرجان المختلفة، وكان رد المدير الفنى للمهرجان تيرى فريمو وقتها (أنه لا يضع أبدا تلك الافتراضات أثناء اختياره ولا يتعمد اختيار مخرج أو مخرجة )، لا يعنيه سوى المستوى الفنى. وفى السنوات التالية فى (كان) بدأنا نرى زيادة فى عدد المخرجات، وارتفعت النسبة إلى نحو 25 فى المائة، ولكن لا يزال برلين هو الهدف الأول للمخرجات فى العالم كله، مع التأكيد على أن ما نراه على شاشات المهرجان يعبر فقط عن الانحياز الفنى!!.