توقيت القاهرة المحلي 15:38:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

في الانتخابات البلدية اللبنانية... لبّ أزمة التعايش

  مصر اليوم -

في الانتخابات البلدية اللبنانية لبّ أزمة التعايش

بقلم : إياد أبو شقرا

 

وسط انشغال العديد من اللبنانيين وأشقائهم وجيرانهم بالهموم الوطنية والإقليمية الكبرى، ينهمك قطاع لا بأس به من اللبنانيين، هذه الأيام، بحكاية جانبية... قد تبدو تافهة مقارنةً بالأخطار الوجودية التي تتهدّد شرق العالم العربي.

فخلال مايو (أيار) المقبل ستنظم في لبنان الانتخابات البلدية والاختيارية (أي انتخابات «المخاتير» أو «العُمُد» وفق المُسمى المصري). ومن العاصمة بيروت، إلى أصغر القرى والدساكر وأقصاها، ثمة حمى انتخابية تشكّل - محلياً، ومؤقتاً على الأقل - عامل إلهاء مؤقت عن الهموم المعيشية الضاغطة والأوضاع الأمنية المقلقة.

هنا تنزع العشائرية المتأصِلة في النفوس عن وجوه اللبنانيين واللبنانيات كل مساحيق النفاق «التعايشي». وتكشف أمامهم عن حقيقة قدرتهم - كغيرهم من أبناء وبنات بيئاتهم «المشرقية» - على تغطية انقساماتهم الدينية والمذهبية والعشائرية والعائلية... ثم «تغليفها» بأغلفة تدّعي الانفتاح والتسامح.

اللبنانيون وإخوتهم «المشارقة»، وبالأخص، الذين زايدوا وحاضروا لعقود عديدة بالتحرّر والتآخي والتقدمية، ربما كانوا في حينه مقتنعين بالشعارات التي رفعوها... وقتل بعضهم في سبيلها.

ربما، لكن الأحياء منهم يدركون اليوم أن «الطبع يغلب التطبّع»، وأن بداخل كل منهم هوية فئوية تظهر عند أول استفزاز، وتبرّر تخلّفها أمام كل نوبة خوف.

شعارات «ليبرالية» و«تقدمية» كثيرة تبنّتها الجماعات المُستنيرة في منطقتنا، منذ العقود الأخيرة من عهد الدولة العثمانية أيام «الحركة الدستورية» وجماعات الإصلاح الديني والاجتماعي، ومروراً بالنظامين العالميين اللذين أفرزتهما الحربان العالميتان الأولى والثانية ثم «الحرب الباردة».

إلا أننا مع عودة «الأحادية القطبية» عبر هيمنة واشنطن، وفشل تطبيق نماذج عدة من الحكم الاستقلالي، شهدنا تراجعاً في جاذبية «الليبرالية» وصدقية «التقدمية»، بدءاً من «العالم الثالث» الذي عانى من هيمنة الراديكاليات العسكرية والتوريثية... ووصولاً إلى صعود اليمين المتشدد - النقدي Monetarist Right أولاً... والعنصري لاحقاً - في أوروبا وأميركا.

الواقع أن آفة العصبية القبلية جزءٌ لا يتجزأ من تراثنا الاجتماعي والسياسي. ولقد تنبّه لها الإسلام باكراً، فنهى عنها. ومع هذا، أفلح أهل السياسة في الالتفاف على النهي الديني، فألبسوا عصبيّتهم القبلية أو العشائرية رداء الدين، فـ«مذهبوها» و«طأفنوها» إلى حدود الفتنة. وبينما تهبّ الآن على المنطقة العربية أعاصير السياسة من شتى الاتجاهات، تقف مجتمعاتنا عاجزة عن إيجاد الطريقة الأنجع للحد من الأضرار، ويدرك العقلاء منا أن التخلّص منها، بالمطلق، دونه عقبات كبرى.

في العالم العربي – ولا سيما، في بلاد الشام – بتنا عاجزين عن التصدّي للتصعيد الإسرائيلي، وما حقّقه حتى الساعة من اختراقات استراتيجية. والحقيقة المرة أننا كنا قد عجزنا في الماضي أيضاً... عندما كان مستوى «مناعتنا» الطبيعية أعلى مما هو عليه اليوم، وكان تعاطف العالم معنا أكبر، وتماهي اليمين الأميركي مع اليمين الإسرائيلي أقل صراحةً وتكاملاً وعمقاً.

ولسوء طالعنا أمامنا شبه إجماع عند جمهرة من المعلقين السياسيين العالميين على «عبثية» الرهان على «مجتمع دولي» يجوز أخذه بجدّية والاعتماد على ثقله الوازن. لقد سقط ذلك «المجتمع الدولي»، الذي كان ذات يوم لبعض الوقت، قادراً على تخفيف غلو هنا وفرض «حل وسط» هناك. وها هو في العديد من دوله النافذة نرى قوى عنصرية تجاهر بكل أشكال التحامل والكراهية والعنصرية والإقصاء.

عودةً إلى لبنان... وانتخاباته

خلال الأسابيع الفائتة تزايد الجدل حول انتخابات بيروت، عاصمة لبنان وكبرى مدنه بفارق كبير. أما السبب فخوف قسم كبير من الشارع المسيحي من طغيان الصوت المسلم السنّي (السنّة هم المكوّن الأكبر) وتقزيمه حجم التمثيل المسيحي.

للعلم، في الانتخابات البلدية والاختيارية لا حصص محددة للطوائف، بعكس الانتخابات البرلمانية. وهذا يندرج نزولاً من المدن الرئيسة حتى أصغر القرى حيث تبرز الحساسيات العائلية.

وما بدا واضحاً، أن ثمة تياراً في لبنان – استمرأ العيش مع نفاق «صيف وشتاء على سطح واحد» – يتكلم الآن صراحة عن تقسيم المجلس البلدي لبيروت إلى مجلسين أحدهما بغالبية مسلمة... والثاني بغالبية مسيحية.

في هذه الصيغة التقسيمية «استنهاض» للحالة الكابوسية التي عاشها البيروتيون واللبنانيون إبان سنوات الحرب اللبنانية بين 1975 و1990، وهروب متعمّد ومتكرّر من كل التسويات المُمكنة والمُنصفة لكل أشكال التمثيل السياسي في لبنان.

هذه المدرسة الموغلة في طائفيتها، التي قادتها مصالحها الكيدية العابرة عام 2006 إلى عقد صفقات جانبية تكتيكية قرابة عقدين من الزمن، عادت أخيراً إلى مزايداتها الطائفية التي ألفها اللبنانيون قبل «تفاهم مار مخايل»... المعقود ذلك العام بين «التيار العوني» و«حزب الله».

وانطلاقاً من ازدواجية المعايير ذاتها رفضت هذه «المدرسة» بعناد تطبيق نص «اتفاق الطائف» لجهة إنشاء مجلس للشيوخ يُنتخب أعضاؤه طائفياً، ومجلس نواب ينتخب نوابه خارج القيد الطائفي، مع اعتماد نظام «اللامركزية الموسّعة».

جديرٌ بالذكر، أنه لفترة غير قصيرة تبنّى «التيار العوني» «مشروع القانون الأرثوذكسي» القائل بأن تنتخب كل طائفة نوابها، في حين أيّد «الثنائي الشيعي» اعتماد لبنان «دائرةً انتخابيةً واحدة». غير أن أيّاً من الطرفين رفض دمج المشروعين، بحيث يطبّق «المشروع الأرثوذكسي» لانتخاب مجلس الشيوخ و«لبنان الدائرة الواحدة» لمجلس النواب!!

وبالتالي، التقت المصالح العابرة بين فريقين طائفيين حريصين على الانفراد بالهيمنة على طائفتيهما، على تغييب الحل الواقعي والعادل والدستوري الوحيد الذي يتيح التمثيل من دون الإلغاء، ورافضين لدعم مفهوم التعايش الحقيقي بعيداً عن الاستقواء بالخارج...

إن الانتخابات البلدية المقبلة صورة صغيرة... لكنها تعبّر عن الحقيقة الأكبر والأكثر إيلاماً...

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في الانتخابات البلدية اللبنانية لبّ أزمة التعايش في الانتخابات البلدية اللبنانية لبّ أزمة التعايش



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt