توقيت القاهرة المحلي 01:45:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إكراه بلا رصاص

  مصر اليوم -

إكراه بلا رصاص

بقلم : عبد اللطيف المناوي

منذ أسابيع يعود تعبير «الخروج الطوعى من غزة» إلى الواجهة، كأنه خيار إنسانى مفتوح أمام سكان القطاع، بينما تكشف الوقائع أن الطوعية هنا ليست سوى قشرة لغوية تغطى عملية ضغط منظم لدفع الناس إلى الرحيل. فمع دخول القرار الأمريكى الخاص بغزة حيّز التنفيذ بعد إقراره فى مجلس الأمن، بدا واضحا أن واشنطن منحت إسرائيل اليد العليا فى تفسير وتنفيذ بنوده، وتراجعت عمليا أدوار الأطراف الراعية، لصالح واقع جديد يُصاغ على الأرض خارج النصوص المعلنة.

أخطر ما فى هذا الواقع ما كشفته تقارير أمريكية وإسرائيلية عن تقسيم القطاع إلى «غزة حمراء» تضم أغلبية السكان فى بيئة مدمَّرة وخدمات منهارة، و«غزة خضراء» أكثر اتساعا وأقل اكتظاظا، يبدأ فيها الإعمار وتُبنى بنية أمنية محلية ترتبط مباشرة بالاحتلال. هذا ليس «ترتيبا أمنيا» ولا «مرحلة انتقالية»، بل مشروع سياسى لإنشاء بيئتين متناقضتين داخل غزة، بيئة خانقة غير قابلة للحياة، وأخرى تُقدَّم بوصفها «الملاذ الممكن». ومع اتساع الفارق بينهما، يتحول الانتقال من واحدة إلى أخرى من اختيار فردى إلى رد فعل قسرى على واقع لا يُحتمل.

فى موازاة ذلك أُغلق معبر رفح عمليا أمام المرضى والطلاب والحالات الإنسانية، بينما فُتح مسار عبر مطار رامون، تديره مؤسسات مشبوهة خارج القطاع وداخله، فى صورة أقرب إلى «تهجير منظّم» يُسوَّق على أنه سفر اختيارى. هكذا يُعاد إنتاج الفكرة القديمة نفسها بصياغة جديدة: لا حافلات ترحيل على الحدود هذه المرة، بل خنق إنسانى فى الداخل وبوابة «فرج» صغيرة فى الخارج، من يملك ثمنها يخرج، ومن لا يملك يُترك لمصيره فى غزة الحمراء.

مع ذلك، لا تتحرك هذه الخطة فى فراغ، فالموقف المصرى والسعودى معلَن وحاسم برفض أى تغيير ديموغرافى فى غزة، وأى صيغة ترحيل جماعى أو فردى مقنّع، كما يدرك الفلسطينيون أن «الانتقال الداخلى» قد يتحول إلى خطوة أولى على طريق تفكيك وحدة القطاع، وأن قبول منطق «الخروج الطوعى» اليوم يعنى شرعنة نمط جديد من التهجير الناعم غدا. فى المقابل تبدو إسرائيل ممزقة بين رغبة تيار متطرف فى استثمار اللحظة حتى النهاية، ومحاذير تيار آخر يخشى أن تتحول «غزة الحمراء» إلى مستنقع أمنى

يتعمق الالتباس مع غياب قوة الاستقرار الدولية التى يفترض أن تنتشر فى المنطقة الخضراء. فلا دولة أعلنت استعدادها لإرسال قوات إلى غزة المكتظة، ولا آليات عمل واضحة ظهرت حتى الآن. عمليا، يتحول مشروع التقسيم إلى قرار إسرائيلى صرف: ترسم الحدود على الأرض، تُطلق مشاريع إعمار هنا، وتُترك الفوضى هناك، ثم يقال للعالم إن من ينتقل أو يغادر إنما يفعل ذلك «برغبته».

هل يمكن الحديث عن طوعية حقيقية فى ظل هذا المشهد؟، عندما يعيش الناس بلا كهرباء ولا ماء ولا عمل ولا أفق لإعادة الإعمار، ويُعرض عليهم فى المقابل انتقال إلى منطقة أكثر أمنًا وخدمات، تصبح «الإرادة الحرة» مفهومًا نظريًا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إكراه بلا رصاص إكراه بلا رصاص



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt