بقلم : عبد اللطيف المناوي
أرسل لى صديقى السياسى الليبى المهم، أحمد قذاف الدم، قراءة سريعة لكتاب ستيفانى ويليامز «ليبيا منذ القذافى: الفوضى والبحث عن السلام» هذه القراءة دفعتنى إلى قراءة عديد من العروض الخاصة بالكتاب إلى أن أحصل عليه وأقرأه كاملا.
لا يقدّم كتاب ستيفانى ويليامز مجرد سرد دبلوماسى لسنوات ما بعد ٢٠١١، ولا يمكن قراءته بوصفه مذكرات لمسؤولة أممية عابرة منحتها الأزمة الليبية مساحة للظهور. ما تكتبه ويليامز، بوعى أو بدونه، هو شهادة إدانة سياسية وأخلاقية لنخبة ليبية أسهمت، من داخلها، فى تفكيك الدولة، وإفراغ مفهوم السيادة من معناه، وتحويل الوطن إلى مساحة مفتوحة للبيع.
الكتاب لا يكشف «أسرارًا كبرى» بقدر ما يضع الحقيقة العارية على الطاولة، ليبيا لم تُدمَّر فقط بتدخلات الخارج، بل تآكلت من الداخل على يد نخبة تعاملت مع الدولة بوصفها فرصة شخصية، لا كيانًا وطنيًا. ما تصفه ويليامز ليس مجرد فشل سياسى، بل سقوط أخلاقى شامل.
فى صفحات الكتاب، يظهر نمط متكرر من السلوك السياسى الليبى بعد ٢٠١١، سياسيون ومسؤولون لا يرون فى الوطن سوى تأشيرة سفر، ولا فى السيادة سوى بطاقة دخول إلى فندق فاخر أو قاعة مؤتمر دولى. المنصب عندهم ليس مسؤولية، بل صورة. والتمثيل السياسى ليس تكليفًا، بل دعوة عشاء. أما الدولة، فهى مجرد خلفية بروتوكولية تُستخدم عند الحاجة ثم تُنسى.
هذا التشخيص القاسى لا يأتى من خصم سياسى أو كاتب غاضب، بل من مسؤولة دولية عملت فى قلب المشهد، وراقبت من الداخل كيف تُدار ليبيا.. وكيف تُفرَّغ من مضمونها. ويليامز لا تقول ذلك صراحة فى كل سطر، لكنها تترك الوقائع تتكلم، سيادة تُستدعى فى الخطابات وتُغتال فى الممارسة، واستقلال يُرفع كشعار ويُفرّط فيه عند أول اختبار مصالح.
أخطر ما يكشفه الكتاب أن جزءًا كبيرًا ممن تصدّروا المشهد الليبى بعد سقوط القذافى لم يكونوا أصحاب مشروع دولة أصلًا. لا رؤية سياسية، لا فهم للعلاقات الدولية، لا خبرة تفاوض، لا إدراك لمعنى السيادة، ولا حتى وعى بثقل تمثيل دولة بحجم ليبيا. كانوا أشخاصًا انتقلوا فجأة من الهامش إلى الواجهة، من الفراغ السياسى إلى غرف القرار، من اللاشىء إلى تمثيل دولة كاملة.
هنا لا نتحدث عن أخطاء طبيعية فى مرحلة انتقالية، بل عن خلل بنيوى فى النخبة نفسها، ضعف نفسى، نرجسية سياسية، عقد نقص أمام الخارج، جهل بطبيعة توازن القوى، وخلط خطير بين العلاقات الدولية والعلاقات العامة. الدولة وُضعت فى أيدى أشخاص لم يكونوا مؤهلين أخلاقيًا ولا معرفيًا لإدارة ملف محلى، فكيف بملفات سيادة، نفط، أمن قومى، وحدود، وعلاقات استراتيجية مع قوى كبرى؟.
ومازال هناك الكثير ليقال.