توقيت القاهرة المحلي 01:26:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ماذا بقي من أتاتورك؟

  مصر اليوم -

ماذا بقي من أتاتورك

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى العاشر من نوفمبر من كل عام، تتوقف الحياة فى تركيا عند التاسعة وخمس دقائق صباحًا. تقف السيارات فى الشوارع، يصمت الناس فى المكاتب والمدارس، ويغدو الصمت لحظة إجلال لزعيم لا يزال حضوره يثير الجدل بعد سبعة وثمانين عامًا على رحيله. مصطفى كمال أتاتورك لم يكن مجرد قائد عسكرى أسّس جمهورية على أنقاض إمبراطورية منهارة، بل كان مشروعًا لتغيير هوية أمة بأكملها. واليوم، بينما يحيى الأتراك ذكراه بمشاركة الرئيس رجب طيب أردوغان، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى: ماذا بقى من إرث أتاتورك فى تركيا القرن الحادى والعشرين؟

حين أعلن أتاتورك قيام الجمهورية عام 1923، كان هدفه إنقاذ ما تبقى من الوطن العثمانى المهزوم وتحويله إلى دولة حديثة تتطلع إلى الغرب. ألغى الخلافة، فصل الدين عن الدولة، استبدل الحروف العربية باللاتينية، ومنح المرأة حق التصويت والمشاركة العامة. كانت تلك الثورة أشبه بعملية جراحية جريئة لإعادة صياغة الشخصية التركية من مجتمع شرقى محافظ إلى أمة علمانية حديثة. كان يرى أن خلاص بلاده يكمن فى العلم والعقل، لا فى الماضى ولا فى الولاءات الدينية أو العرقية.

غير أن هذه الجمهورية التى وُلدت على يديه ظلت منذ ذلك الحين ساحة صراع بين رؤيتين: الأولى جمهورية أتاتورك العلمانية، والثانية تركيا الجديدة التى يسعى أردوغان إلى ترسيخها، إسلامية الهوية، قوية الحضور الإقليمى، لا تخجل من جذورها العثمانية. الشعار الذى رفعه أردوغان «القرن التركى» لم يكن صدفة، فهو أراد أن يكون مكملًا لأتاتورك لا وريثًا له فقط، وأن يقدم نفسه كزعيم يقود تركيا إلى «قرنها الثانى» مثلما قاد أتاتورك القرن الأول.

الأتراك اليوم منقسمون بين من يرى فى أردوغان تهديدًا لإرث الأب المؤسس، ومن يعتبره استمرارًا لتجربته بروح مختلفة. فبينما كان أتاتورك يريد دولة غربية الهوى، يسعى أردوغان إلى جعلها قوة وسطية توازن بين الشرق والغرب. لكن جوهر التناقض بين الرجلين ليس فقط فى اللغة السياسية، بل فى مفهوم الدولة نفسها: أتاتورك أقام دولة مؤسسات فوق الأديان، وأردوغان أعاد للدين حضوره فى السياسة والمجتمع، وفتح المجال أمام الخطاب الدينى كعنصر فى الهوية الوطنية الجديدة.

رغم ذلك، فإن أتاتورك لم يختفِ من الوعى التركى، بل بقى رمزًا للحداثة والانضباط والعقلانية. صورته فى المدارس والإدارات، وتمثاله فى الميادين، واللحظة الصامتة كل عام، كلها دلائل على أن تركيا لم تتخلّ عن مؤسسها، حتى وإن اختلفت مع بعض أفكاره. أما أردوغان، فهو يدرك أن مواجهة الإرث الكمالى بشكل مباشر ستثير مقاومة شعبية، لذلك تبنّى سياسة «الاستيعاب» لا «الإلغاء»: إعادة تفسير إرث أتاتورك بما يخدم مشروعه. فبدلًا من الجمهورية العلمانية المحايدة، يقدم أردوغان «الجمهورية المحافظة» التى لا تنكر أتاتورك، لكنها تعيد تعريفه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماذا بقي من أتاتورك ماذا بقي من أتاتورك



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt