توقيت القاهرة المحلي 01:45:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من الإليزيه إلى السجن

  مصر اليوم -

من الإليزيه إلى السجن

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لم يكن الفرنسيون يتصورون أن الرئيس الذى دخل قصر الإليزيه عام 2007 منتشيًا بانتصاره الانتخابى سيجد نفسه بعد أقل من عقدين يقف فى قفص الاتهام، محكومًا عليه بالسجن خمس سنوات بتهمة التآمر الجنائى وتمويل حملته من أموال الزعيم الليبى الراحل معمر القذافى. هكذا يصبح نيكولا ساركوزى أول رئيس فرنسى سابق يدخل السجن فعلًا، فى مشهد يعكس كيف يمكن للمال السياسى أن يهز أركان الديمقراطية فى أعرق الجمهوريات.

القصة بدأت عندما كان ساركوزى وزيرًا للداخلية ويتهيأ للترشح للرئاسة. تشير الوثائق والتحقيقات إلى أن القذافى قدّم نحو خمسين مليون يورو لتمويل حملته، رغم أن القانون الفرنسى يضع سقفًا للإنفاق الانتخابى عند 22.5 مليون يورو ويمنع أى تمويل أجنبى. هذه الأموال – التى يُقال إنها سُلّمت عبر اجتماعات سرية بين مسؤولين فرنسيين بارزين وأركان النظام الليبى – تحولت لاحقًا إلى كابوس سياسى وقانونى للرئيس السابق. المفارقة أن ساركوزى كان من أكثر المتحمسين لإسقاط القذافى عام 2011، وهو ما عزّز الشكوك حول محاولته التخلص من شهود أسرار التمويل. بعد سنوات من التحقيقات والتسريبات والشائعات، جاء حكم محكمة باريس الجنائية ليضع حدًا للجدل: ساركوزى مذنب. خمس سنوات سجن مع غرامة مئة ألف يورو، وتنفيذ فورى رغم الاستئناف. ورغم أن القضاة لم يثبتوا بالدليل القاطع وصول الأموال مباشرة إلى الحملة، فإن مذكرات وزير النفط الليبى الأسبق شكرى غانم وتصريحات مسؤولين آخرين قدّمت ما يكفى لإثبات وجود مؤامرة مالية خلف الكواليس. المحكمة أخذت بعين الاعتبار وضع ساركوزى الصحى ومكانته كرئيس سابق، وإلا كان الحكم ليصل إلى عشر سنوات.

انقسم الرأى العام الفرنسى كما العادة: فريق رأى أن القضاء الفرنسى يثبت استقلاله وقدرته على محاسبة الكبار، وفريق آخر اعتبر الحكم سياسيًا بامتياز، أقرب إلى إعدام مؤقت لرجل ما زال يحلم بالعودة إلى الساحة السياسية.

القضية تكشف الوجه المظلم للسياسة، المال السياسى. فى كل مكان من العالم، من واشنطن إلى باريس مرورًا بروما وريو دى جانيرو، تتسلل الأموال، أحيانًا بطرق غير مشروعة، لتمويل الحملات الانتخابية. ما حدث مع ساركوزى ليس استثناءً، لكنه يفضح هشاشة العملية الديمقراطية أمام سطوة المال.

قضية ساركوزى ليست منفردة، التاريخ السياسى المعاصر مليء بأمثلة على قادة ورؤساء أسقطتهم الأموال غير المشروعة. الدرس واحد فى كل هذه التجارب، مهما بلغ القائد من نفوذ أو شهرة، فإن المال السياسى المشبوه لغمًا، ينفجر يومًا ما ليطيح بسمعة وربما بمستقبل سياسى بأكمله.

هكذا، وبعد أن دخل ساركوزى قصر الإليزيه كرئيس، يعود اليوم إليه كخبر فى صفحات المحاكم. من رجل النظام والأمن إلى رجل مُدان، من طموح الرئاسة إلى مرارة الزنزانة. وبين البداية والنهاية، قصة تذكّرنا بأن السياسة حين تختلط بالمال المشبوه لا تُبقى لأصحابها مجدًا ولا سيرةً نظيفة، وأن الديمقراطية ستبقى مهددة طالما بقى المال السياسى يتسلل إلى قلبها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من الإليزيه إلى السجن من الإليزيه إلى السجن



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt