توقيت القاهرة المحلي 05:02:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وداعًا الفيلسوف الضاحك

  مصر اليوم -

وداعًا الفيلسوف الضاحك

بقلم : عبد اللطيف المناوي

هناك وجوه تألفها، تحبها، تتحوّل إلى صديق أو إنسان قريب حتى دون أن تلتقيه وجهًا لوجه. محظوظ من يكون هذا الإنسان، ومن هؤلاء المحظوظين الإنسان الراقى القريب إلى القلب الفنان لطفى لبيب، رحمه الله. بينى وبينه لقاء لم يتم أبدًا، لكن بينى وبينه مودة حاضرة وتقدير مستمر. كنت أشعر به على الشاشة قريبًا، أيًا ما كانت الشخصية التى يقوم بها، وعندما نلتقى فى المناسبات العامة نتبادل أطراف الحديث الودود وكأننا التقينا بالأمس، وأظن أنّه كان يحمل لى نفس مشاعر الاعتزاز والتقدير. وفى كل مرة ينتهى اللقاء، يؤكد كلٌّ منا للآخر أننا «لازم» نلتقى.

لطفى لبيب كان الفيلسوف الضاحك، الإنسان المتعالى على صراعات الحياة الصغيرة، الباحث فى عمق الأشياء عما يطبطب على النفوس. مع رحيله، نشعر أن جزءًا من دفء الشاشة وحلاوة الأداء قد غاب.. كنتُ أخرج دائمًا بإحساسٍ واحد: هذا رجلٌ رقيق الروح، متعالٍ على صغائر الحياة، وفيلسوفٌ يفتّش فى عمق الأشياء عمّا يربّت على النفوس. لذلك بدا خبر رحيله موجعًا وقريبًا، كأننى فقدتُ صديقًا قديمًا.

فى الكوميديا كما فى الدراما كان من يضبط إيقاع المشهد. شاهدناه فى أدوارٍ علِقت بالذاكرة من «السفارة فى العمارة» حيث أدّى شخصية ديفيد كوهين، إلى نصوصٍ معاصرة وضع فيها لمساته الخاصة، مرورًا بأدوارٍ أحبّها الجمهور فى السينما والتلفزيون على السواء. السرّ لم يكن فى مساحة الدور، بل فى مرونته على الشاشة وقدرته على استخراج «الحقائق الصغيرة» من بين السطور.

سنواته الأخيرة شهدت أزمةً صحيةً ثقيلة فقلّ حضوره وهو الذى كان لا يرضى أن يظهر إلا بكامل طاقته. وحين لاح فى الأفق احتمالُ أن يخذله صوته، اختار أن يعلن ابتعاده تدريجيًا، مُصرّحًا بأن الفنان لا ينبغى أن يُرهق ذاكرة الناس بصورةٍ لا تُشبهه. ذلك قرار يحتاج إلى شجاعةٍ وكرامة؛ أن تحافظ على ما بنيته من احترام، حتى لو كان الثمن صمتًا طويلًا.

لطفى لبيب لم يكن «نجمًا» بالمعنى الاستعراضى للكلمة. كان «وجهًا مصريًا» يعرف الناس كيف يبتسم، وكيف يعبّر عن ضيقٍ عابرٍ بنظرة، وكيف ينقل حنان الأب أو مكر الصغير أو دهشة البسيط بصدقٍ يسبق الكلمات. كان من القلائل الذين يتعاملون مع الكوميديا بوصفها ذكاءً وجدانيًا: تُضحك لأنك تفهم الإنسان، لا لأنك تُلقى نكتة. لذلك صار حضوره فى بيوتنا قرينَ الطمأنينة، تدخل المشهد فتطمئن أن فى العمل «عينًا ترى» و«قلبًا يلتقط».

لأن لطفى لبيب كان يُجيد ما هو أصعب من الإضحاك والإبكاء: كان يُذكّرنا بأن الفن خدمةٌ عامة للروح. بين ساحات المسرح وكواليس الاستوديو ومعارك الحياة، ظلّ وفيًّا لفكرة أن الصدق هو البطل الحقيقى. وحين وصل فى الحياة إلى لحظاته الأخيرة، خرج منها كما كان يدخل المشهد: هادئًا، مهذبًا، مهيبًا بلا ادّعاء.

رحم الله لطفى لبيب.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وداعًا الفيلسوف الضاحك وداعًا الفيلسوف الضاحك



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt