توقيت القاهرة المحلي 17:11:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة (٢)

  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة ٢

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى ضوء التطورات الأخيرة فى فنزويلا، وما تردد عن ضربات أمريكية واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد، يعود إلى الواجهة سؤال قديم فى أمريكا اللاتينية: هل نحن أمام حدث استثنائى، أم حلقة جديدة فى سلسلة طويلة من «هندسة تغيير السلطة» التى عرفتها القارة على مدار قرنين؟. التاريخ القريب والبعيد يقول إن فنزويلا ليست استثناءً، فمنذ أن أرست واشنطن «مبدأ مونرو» فى القرن التاسع عشر، تشكّلت عقيدة سياسية ترى فى أمريكا اللاتينية مجال نفوذ خاصا، لا ساحة عادية فى العلاقات الدولية. ومع «ملحق روزفلت»، مطلع القرن العشرين، تحولت الوصاية من موقف دفاعى إلى رخصة تدخل، تُستخدم كلما رأت واشنطن أن «الاضطراب» أو «سوء الإدارة» يهددان مصالحها.

خذ مثلًا جواتيمالا عام ١٩٥٤، حين أطاحت عملية PBSUCCESS بحكومة جاكوبو آربينز. لم تكن الدبابات هى الأداة الأساسية، بل الحرب النفسية، تفكيك الشرعية، وتنظيم الفاعلين المحليين بما يخدم سيناريو معدًا سلفًا. كانت تلك واحدة من أولى التجارب المكتملة لتغيير السلطة بأدوات غير مباشرة، لكنها شديدة الفعالية.

وفى تشيلى عام ١٩٧٣، جاء الانقلاب على سلفادور أليندى ليصبح رمزًا عالميًا لثمن التدخل الخارجى حين يُقدَّم «الاستقرار» على حساب السياسة والإنسان. سقط الرئيس، لكن البلاد دخلت عقودًا من القمع والاستقطاب، وما زالت آثار تلك اللحظة حاضرة فى الذاكرة الجماعية.

أما نيكاراجوا فى الثمانينيات، فقدمت نموذج الحرب بالوكالة. دعم «الكونترا» لم يكن هدفه إسقاط الحكومة بسرعة، بل إنهاك الدولة والمجتمع سنوات طويلة حتى يصبح أى تغيير، مهما كان ثمنه، مخرجًا مقبولًا. وفى بنما عام ١٩٨٩، أظهرت «عملية القضية العادلة» كيف يمكن أن يتحول حليف الأمس إلى خصم اليوم عندما تتغير الحسابات وتتراكم الملفات. ولا تختلف هاييتى عام ٢٠٠٤ كثيرًا عن هذا المسار، حيث تداخلت العناوين الإنسانية مع هندسة الفعل السياسى على الأرض، وانتهى الأمر ببلد أكثر هشاشة وانقسامًا. هذه النماذج لا تُستحضر للنوستالجيا السياسية، بل لفهم منطق يتكرر بثلاثة محركات أساسية. أولها الأمن القومى بمعناه الواسع، أى تموضعا معاديا قريبا جغرافيًا، أو احتمال تمدد نفوذ قوة منافسة، يُقرأ كخطر مستقبلى يستدعى التدخل المبكر. ثانيها الاقتصاد، وخاصة الطاقة والأسواق، حيث تعمل العقوبات والضغوط المالية كأدوات موازية للسلاح. وثالثها السياسة الداخلية الأمريكية نفسها، إذ كثيرًا ما تتحول الساحات الخارجية إلى أوراق تُستخدم فى صراعات الداخل والانتخابات.

المشكلة أن التدخل لا يتوقف عند إسقاط رئيس أو إضعاف نظام. غالبًا ما يفتح سلسلة طويلة من الارتدادات: تفكك مؤسسات، تعميق الانقسامات، عسكرة السياسة، واقتصاد ظلّ مزمن. وبعد سنوات، تصبح الدولة «غير مستقرة» بما يكفى لتبرير تدخل جديد.. وتستمر الدائرة. أخبار فنزويلا الأخيرة لا تُقرأ فى القارة كسؤال عن «ما حدث اليوم»، بل كقلق عميق حول «ما الذى سيحدث لاحقًا». فالتاريخ علّم أمريكا اللاتينية أن ليلة واحدة قد تكون بداية فصل كامل، وأن ما يُقدَّم بوصفه حسمًا سريعًا، غالبًا ما ينتهى بتكلفة طويلة يدفعها الناس لا العناوين.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هندسة تغيير السلطة ٢ هندسة تغيير السلطة ٢



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt