توقيت القاهرة المحلي 12:30:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة (٢)

  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة ٢

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى ضوء التطورات الأخيرة فى فنزويلا، وما تردد عن ضربات أمريكية واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد، يعود إلى الواجهة سؤال قديم فى أمريكا اللاتينية: هل نحن أمام حدث استثنائى، أم حلقة جديدة فى سلسلة طويلة من «هندسة تغيير السلطة» التى عرفتها القارة على مدار قرنين؟. التاريخ القريب والبعيد يقول إن فنزويلا ليست استثناءً، فمنذ أن أرست واشنطن «مبدأ مونرو» فى القرن التاسع عشر، تشكّلت عقيدة سياسية ترى فى أمريكا اللاتينية مجال نفوذ خاصا، لا ساحة عادية فى العلاقات الدولية. ومع «ملحق روزفلت»، مطلع القرن العشرين، تحولت الوصاية من موقف دفاعى إلى رخصة تدخل، تُستخدم كلما رأت واشنطن أن «الاضطراب» أو «سوء الإدارة» يهددان مصالحها.

خذ مثلًا جواتيمالا عام ١٩٥٤، حين أطاحت عملية PBSUCCESS بحكومة جاكوبو آربينز. لم تكن الدبابات هى الأداة الأساسية، بل الحرب النفسية، تفكيك الشرعية، وتنظيم الفاعلين المحليين بما يخدم سيناريو معدًا سلفًا. كانت تلك واحدة من أولى التجارب المكتملة لتغيير السلطة بأدوات غير مباشرة، لكنها شديدة الفعالية.

وفى تشيلى عام ١٩٧٣، جاء الانقلاب على سلفادور أليندى ليصبح رمزًا عالميًا لثمن التدخل الخارجى حين يُقدَّم «الاستقرار» على حساب السياسة والإنسان. سقط الرئيس، لكن البلاد دخلت عقودًا من القمع والاستقطاب، وما زالت آثار تلك اللحظة حاضرة فى الذاكرة الجماعية.

أما نيكاراجوا فى الثمانينيات، فقدمت نموذج الحرب بالوكالة. دعم «الكونترا» لم يكن هدفه إسقاط الحكومة بسرعة، بل إنهاك الدولة والمجتمع سنوات طويلة حتى يصبح أى تغيير، مهما كان ثمنه، مخرجًا مقبولًا. وفى بنما عام ١٩٨٩، أظهرت «عملية القضية العادلة» كيف يمكن أن يتحول حليف الأمس إلى خصم اليوم عندما تتغير الحسابات وتتراكم الملفات. ولا تختلف هاييتى عام ٢٠٠٤ كثيرًا عن هذا المسار، حيث تداخلت العناوين الإنسانية مع هندسة الفعل السياسى على الأرض، وانتهى الأمر ببلد أكثر هشاشة وانقسامًا. هذه النماذج لا تُستحضر للنوستالجيا السياسية، بل لفهم منطق يتكرر بثلاثة محركات أساسية. أولها الأمن القومى بمعناه الواسع، أى تموضعا معاديا قريبا جغرافيًا، أو احتمال تمدد نفوذ قوة منافسة، يُقرأ كخطر مستقبلى يستدعى التدخل المبكر. ثانيها الاقتصاد، وخاصة الطاقة والأسواق، حيث تعمل العقوبات والضغوط المالية كأدوات موازية للسلاح. وثالثها السياسة الداخلية الأمريكية نفسها، إذ كثيرًا ما تتحول الساحات الخارجية إلى أوراق تُستخدم فى صراعات الداخل والانتخابات.

المشكلة أن التدخل لا يتوقف عند إسقاط رئيس أو إضعاف نظام. غالبًا ما يفتح سلسلة طويلة من الارتدادات: تفكك مؤسسات، تعميق الانقسامات، عسكرة السياسة، واقتصاد ظلّ مزمن. وبعد سنوات، تصبح الدولة «غير مستقرة» بما يكفى لتبرير تدخل جديد.. وتستمر الدائرة. أخبار فنزويلا الأخيرة لا تُقرأ فى القارة كسؤال عن «ما حدث اليوم»، بل كقلق عميق حول «ما الذى سيحدث لاحقًا». فالتاريخ علّم أمريكا اللاتينية أن ليلة واحدة قد تكون بداية فصل كامل، وأن ما يُقدَّم بوصفه حسمًا سريعًا، غالبًا ما ينتهى بتكلفة طويلة يدفعها الناس لا العناوين.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هندسة تغيير السلطة ٢ هندسة تغيير السلطة ٢



GMT 12:14 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

كي لا يندم شّيعة لبنان..

GMT 12:12 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مرثيّة أخيرة لجبل عامل

GMT 09:28 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 09:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 09:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم

GMT 09:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 09:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 07:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"

GMT 20:09 2015 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

زيدان يحتفل بعيد ميلاده مع فريق الإنتاج الحربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt