توقيت القاهرة المحلي 00:03:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة (٢)

  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة ٢

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى ضوء التطورات الأخيرة فى فنزويلا، وما تردد عن ضربات أمريكية واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد، يعود إلى الواجهة سؤال قديم فى أمريكا اللاتينية: هل نحن أمام حدث استثنائى، أم حلقة جديدة فى سلسلة طويلة من «هندسة تغيير السلطة» التى عرفتها القارة على مدار قرنين؟. التاريخ القريب والبعيد يقول إن فنزويلا ليست استثناءً، فمنذ أن أرست واشنطن «مبدأ مونرو» فى القرن التاسع عشر، تشكّلت عقيدة سياسية ترى فى أمريكا اللاتينية مجال نفوذ خاصا، لا ساحة عادية فى العلاقات الدولية. ومع «ملحق روزفلت»، مطلع القرن العشرين، تحولت الوصاية من موقف دفاعى إلى رخصة تدخل، تُستخدم كلما رأت واشنطن أن «الاضطراب» أو «سوء الإدارة» يهددان مصالحها.

خذ مثلًا جواتيمالا عام ١٩٥٤، حين أطاحت عملية PBSUCCESS بحكومة جاكوبو آربينز. لم تكن الدبابات هى الأداة الأساسية، بل الحرب النفسية، تفكيك الشرعية، وتنظيم الفاعلين المحليين بما يخدم سيناريو معدًا سلفًا. كانت تلك واحدة من أولى التجارب المكتملة لتغيير السلطة بأدوات غير مباشرة، لكنها شديدة الفعالية.

وفى تشيلى عام ١٩٧٣، جاء الانقلاب على سلفادور أليندى ليصبح رمزًا عالميًا لثمن التدخل الخارجى حين يُقدَّم «الاستقرار» على حساب السياسة والإنسان. سقط الرئيس، لكن البلاد دخلت عقودًا من القمع والاستقطاب، وما زالت آثار تلك اللحظة حاضرة فى الذاكرة الجماعية.

أما نيكاراجوا فى الثمانينيات، فقدمت نموذج الحرب بالوكالة. دعم «الكونترا» لم يكن هدفه إسقاط الحكومة بسرعة، بل إنهاك الدولة والمجتمع سنوات طويلة حتى يصبح أى تغيير، مهما كان ثمنه، مخرجًا مقبولًا. وفى بنما عام ١٩٨٩، أظهرت «عملية القضية العادلة» كيف يمكن أن يتحول حليف الأمس إلى خصم اليوم عندما تتغير الحسابات وتتراكم الملفات. ولا تختلف هاييتى عام ٢٠٠٤ كثيرًا عن هذا المسار، حيث تداخلت العناوين الإنسانية مع هندسة الفعل السياسى على الأرض، وانتهى الأمر ببلد أكثر هشاشة وانقسامًا. هذه النماذج لا تُستحضر للنوستالجيا السياسية، بل لفهم منطق يتكرر بثلاثة محركات أساسية. أولها الأمن القومى بمعناه الواسع، أى تموضعا معاديا قريبا جغرافيًا، أو احتمال تمدد نفوذ قوة منافسة، يُقرأ كخطر مستقبلى يستدعى التدخل المبكر. ثانيها الاقتصاد، وخاصة الطاقة والأسواق، حيث تعمل العقوبات والضغوط المالية كأدوات موازية للسلاح. وثالثها السياسة الداخلية الأمريكية نفسها، إذ كثيرًا ما تتحول الساحات الخارجية إلى أوراق تُستخدم فى صراعات الداخل والانتخابات.

المشكلة أن التدخل لا يتوقف عند إسقاط رئيس أو إضعاف نظام. غالبًا ما يفتح سلسلة طويلة من الارتدادات: تفكك مؤسسات، تعميق الانقسامات، عسكرة السياسة، واقتصاد ظلّ مزمن. وبعد سنوات، تصبح الدولة «غير مستقرة» بما يكفى لتبرير تدخل جديد.. وتستمر الدائرة. أخبار فنزويلا الأخيرة لا تُقرأ فى القارة كسؤال عن «ما حدث اليوم»، بل كقلق عميق حول «ما الذى سيحدث لاحقًا». فالتاريخ علّم أمريكا اللاتينية أن ليلة واحدة قد تكون بداية فصل كامل، وأن ما يُقدَّم بوصفه حسمًا سريعًا، غالبًا ما ينتهى بتكلفة طويلة يدفعها الناس لا العناوين.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هندسة تغيير السلطة ٢ هندسة تغيير السلطة ٢



GMT 08:01 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

إلى إيران

GMT 07:59 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

عالم ماسك... «الماسخ»

GMT 07:56 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

السعودية قاعدة الاستقرارفي الشرق الأوسط

GMT 07:54 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

حصرية السّلاح ليست خياراً

GMT 07:53 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

إيران... لغز «العطش والعتمة» في بلاد الغاز

GMT 07:50 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

كأس أفريقيا في المغرب... احتفال بالقيم قبل النتائج

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

كي لا يفقد لبنان جنوبه

GMT 07:46 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

كامل الشناوي ويوسف إدريس ونجاة بالذكاء الاصطناعي!

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 18:45 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

مجلس الوزراء السعودي يرفض المساس بوحدة الصومال وسيادته
  مصر اليوم - مجلس الوزراء السعودي يرفض المساس بوحدة الصومال وسيادته

GMT 00:03 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

ستة أنشطة يمارسها الأزواج الأكثر سعادة صباحًا
  مصر اليوم - ستة أنشطة يمارسها الأزواج الأكثر سعادة صباحًا

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 06:22 2024 الجمعة ,09 آب / أغسطس

عمرو أديب يحذر من فيلم سبايدر مان الجديد

GMT 12:32 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع الكوليسترول يزيد احتمال الإصابة بألزهايمر

GMT 11:11 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

انعقاد الجمعية العمومية للفنادق السياحية

GMT 14:33 2019 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

جنى عمرو دياب توجه رسالة إلى شقيقتها في عيد ميلادها

GMT 22:39 2019 الجمعة ,15 شباط / فبراير

ميرنا وليد تؤكد "عيد الحب" يعطيني طاقة إيجابية

GMT 03:30 2019 الجمعة ,01 شباط / فبراير

هوية أوروبا فى قلب انتخابات البرلمان الأوروبى

GMT 05:10 2018 الإثنين ,23 إبريل / نيسان

أفكار لتزيين "كوشة العروس" بطريقة بسيطة وأنيقة

GMT 21:14 2018 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

هاينكس يدين ما أسماه "غياب الأخلاق" بين المحترفين

GMT 00:02 2023 الإثنين ,24 إبريل / نيسان

نيوكاسل يلقن توتنهام درسا قاسيا ويسحقه بسداسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt