توقيت القاهرة المحلي 12:34:45 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أنس الشريف

  مصر اليوم -

أنس الشريف

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى الحروب، تُقتل الأجساد، لكن الكلمة تظل أحيانًا أقدر على تجاوز الموت. هذا ما حدث مع الشهيد الصحفى الفلسطينى أنس الشريف، الذى كتب وصيته الأخيرة قبل أن يلقى حتفه فى قصف إسرائيلى قرب مستشفى الشفاء. إسرائيل اعترفت بالقتل وزعمت أنه قائد خلية تابعة لحماس، لكن المنظمات الحقوقية نفت هذه المزاعم واعتبرتها ذريعة لإسكات صوت من أصوات الحقيقة.

وصية أنس تبدأ بعبارة موجعة «إن وصلتكم كلماتى هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت فى قتلى وإسكات صوتي». فى هذه الجملة يتكثف المعنى كله، الكلمة تُستهدف كما تُستهدف صاحبها، وحين يُقتل الصحفى، فالهدف هو تغييب الحقيقة، وإحلال رواية القاتل محل رواية الشاهد.

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة فى أكتوبر 2023، تحول الصحفيون هناك إلى أكثر فئة مستهدفة فى العالم. وفق إحصاءات دولية، قُتل ما بين 174 و230 صحفيًا وإعلاميًا خلال أقل من عامين، وهو رقم غير مسبوق فى النزاعات الحديثة. كثير منهم سقطوا فى منازلهم أو أثناء تغطيتهم الميدانية، ما يعكس سياسة ممنهجة لإخماد أى صوت ينقل للعالم مشاهد القصف والدمار.

أنس الشريف كان شاهدًا على المأساة، وواحدًا من أبناء مخيم جباليا الذين تربوا على حلم العودة إلى عسقلان المحتلة. فى وصيته، يوصى بفلسطين وأهلها، بأطفالها الذين «سحقت أجسادهم بآلاف الأطنان من القنابل». كما خص بالذكر والدته وزوجته وأطفاله، شام وصلاح، وطلب أن يكون الناس سندًا لهم بعد رحيله.

هذه الوصية تتجاوز بعدها الشخصى لتصبح وثيقة سياسية وأخلاقية؛ فهى تفضح منطق القوة الذى يريد طمس الحقيقة، وتضع العالم أمام مسؤولية أخلاقية، فإذا كان الصحفى مستعدًا لأن يدفع حياته ثمنًا لكلمته، فماذا عن أولئك الذين يتجاهلونها أو يبررون قتله؟

لكن السؤال القاسى يظل مطروحًا، وهو هل ستوقظ هذه الكلمات ضمير العالم؟ أنس نفسه يلمح إلى الشك فى ذلك، حين يشير إلى أن «أشلاء أطفالنا لم تحرك ساكنًا» لدى القوى الكبرى أو من يستطيعون وقف المذبحة. هذا الشك مشروع فى ظل تكرار الصمت الدولى أمام استهداف المدنيين والصحفيين فى غزة، رغم القوانين الدولية التى تلزم بحمايتهم.

من الناحية الرمزية، تمثل وصية أنس انتصارًا أخيرًا للكلمة على الرصاصة. إسرائيل ربما قتلت الجسد، لكنها لم تستطع منع رسالته من الوصول إلى ملايين الناس حول العالم، لتكون شاهدًا على لحظة اغتيال الحقيقة. الرسالة اليوم تتداولها وكالات الأنباء، والمنصات الإعلامية، وملايين المستخدمين، ما يجعلها أقوى من أى بيان سياسى فى فضح الجريمة.

فى النهاية، تظل وصية أنس الشريف نداءً مفتوحًا، أن لا تُنسى غزة، وأن لا يُنسى شهداؤها، وأن يظل الصوت الحر حاضرًا، مهما كانت تكلفة حضوره.

وصية أنس الشريف اختبار جديد لضمير كل إنسان يدعى الإيمان بالحرية والعدالة، ولكن للأسف ربما تكون نتيجة هذا الاختبار متوقعة وهذه هى المعضلة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أنس الشريف أنس الشريف



GMT 12:34 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

كتاب عاصف يقول كل ما كان عليه كيسنجر!

GMT 12:25 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

لا يمكن لإيران أن تكونَ ضد العالم

GMT 12:23 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ماذا يخبئ عام الحرب الرابع للسودان؟

GMT 12:20 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

يوم مقتل فرعون!

GMT 12:17 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

التاريخ بسرعة مجنونة

GMT 12:05 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

إيران والحزام والطريق

GMT 09:07 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

المرأة والخطاب المزدوج

GMT 09:04 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

كلتاهما تكذب

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 09:03 2025 الجمعة ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

النيران تلتهم أكثر من 20 سيارة تسلا في مركز بيع بفرنسا

GMT 03:03 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

كل ما تريد معرفته عن شروط الألتحاق بكلية أخرى بعد التخرج

GMT 20:21 2021 الإثنين ,22 آذار/ مارس

مقتل أخطر قيادي لـ"داعش" في شمال سيناء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt