توقيت القاهرة المحلي 11:23:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أنس الشريف

  مصر اليوم -

أنس الشريف

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى الحروب، تُقتل الأجساد، لكن الكلمة تظل أحيانًا أقدر على تجاوز الموت. هذا ما حدث مع الشهيد الصحفى الفلسطينى أنس الشريف، الذى كتب وصيته الأخيرة قبل أن يلقى حتفه فى قصف إسرائيلى قرب مستشفى الشفاء. إسرائيل اعترفت بالقتل وزعمت أنه قائد خلية تابعة لحماس، لكن المنظمات الحقوقية نفت هذه المزاعم واعتبرتها ذريعة لإسكات صوت من أصوات الحقيقة.

وصية أنس تبدأ بعبارة موجعة «إن وصلتكم كلماتى هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت فى قتلى وإسكات صوتي». فى هذه الجملة يتكثف المعنى كله، الكلمة تُستهدف كما تُستهدف صاحبها، وحين يُقتل الصحفى، فالهدف هو تغييب الحقيقة، وإحلال رواية القاتل محل رواية الشاهد.

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة فى أكتوبر 2023، تحول الصحفيون هناك إلى أكثر فئة مستهدفة فى العالم. وفق إحصاءات دولية، قُتل ما بين 174 و230 صحفيًا وإعلاميًا خلال أقل من عامين، وهو رقم غير مسبوق فى النزاعات الحديثة. كثير منهم سقطوا فى منازلهم أو أثناء تغطيتهم الميدانية، ما يعكس سياسة ممنهجة لإخماد أى صوت ينقل للعالم مشاهد القصف والدمار.

أنس الشريف كان شاهدًا على المأساة، وواحدًا من أبناء مخيم جباليا الذين تربوا على حلم العودة إلى عسقلان المحتلة. فى وصيته، يوصى بفلسطين وأهلها، بأطفالها الذين «سحقت أجسادهم بآلاف الأطنان من القنابل». كما خص بالذكر والدته وزوجته وأطفاله، شام وصلاح، وطلب أن يكون الناس سندًا لهم بعد رحيله.

هذه الوصية تتجاوز بعدها الشخصى لتصبح وثيقة سياسية وأخلاقية؛ فهى تفضح منطق القوة الذى يريد طمس الحقيقة، وتضع العالم أمام مسؤولية أخلاقية، فإذا كان الصحفى مستعدًا لأن يدفع حياته ثمنًا لكلمته، فماذا عن أولئك الذين يتجاهلونها أو يبررون قتله؟

لكن السؤال القاسى يظل مطروحًا، وهو هل ستوقظ هذه الكلمات ضمير العالم؟ أنس نفسه يلمح إلى الشك فى ذلك، حين يشير إلى أن «أشلاء أطفالنا لم تحرك ساكنًا» لدى القوى الكبرى أو من يستطيعون وقف المذبحة. هذا الشك مشروع فى ظل تكرار الصمت الدولى أمام استهداف المدنيين والصحفيين فى غزة، رغم القوانين الدولية التى تلزم بحمايتهم.

من الناحية الرمزية، تمثل وصية أنس انتصارًا أخيرًا للكلمة على الرصاصة. إسرائيل ربما قتلت الجسد، لكنها لم تستطع منع رسالته من الوصول إلى ملايين الناس حول العالم، لتكون شاهدًا على لحظة اغتيال الحقيقة. الرسالة اليوم تتداولها وكالات الأنباء، والمنصات الإعلامية، وملايين المستخدمين، ما يجعلها أقوى من أى بيان سياسى فى فضح الجريمة.

فى النهاية، تظل وصية أنس الشريف نداءً مفتوحًا، أن لا تُنسى غزة، وأن لا يُنسى شهداؤها، وأن يظل الصوت الحر حاضرًا، مهما كانت تكلفة حضوره.

وصية أنس الشريف اختبار جديد لضمير كل إنسان يدعى الإيمان بالحرية والعدالة، ولكن للأسف ربما تكون نتيجة هذا الاختبار متوقعة وهذه هى المعضلة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أنس الشريف أنس الشريف



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt