بقلم:عبد اللطيف المناوي
حين يصوت الكنيست الإسرائيلى بالإجماع تقريبًا على مشروع لحل نفسه والدعوة إلى انتخابات مبكرة، فالمسألة لا تكون مجرد أزمة حكومية عادية، بل مؤشر على اهتزاز عميق داخل النظام السياسى الإسرائيلى نفسه. فإسرائيل التى بدت خلال الأشهر الماضية وكأنها تعيش حالة «تعبئة دائمة» بفعل الحرب والتوترات الإقليمية، تجد نفسها فجأة أمام أزمة داخلية تهدد بإعادة خلط المشهد السياسى بالكامل.
ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف على ائتلاف حكومى أو ميزانية أو قانون تجنيد، بل تعبير عن أزمة أوسع تتعلق بمستقبل القيادة الإسرائيلية بعد سنوات طويلة هيمن فيها بنيامين نتنياهو على السياسة والأمن والخطاب العام.
المفارقة أن الحرب التى كان يُفترض أن تعزز موقع نتنياهو، بدأت تتحول تدريجيًا إلى عبء سياسى عليه. فإطالة أمد المواجهات، والتوتر المفتوح مع إيران، والضغوط الاقتصادية، والانقسام الداخلى، كلها عوامل أعادت طرح السؤال الذى حاولت الحرب تأجيله: هل ما زال نتنياهو قادرًا على قيادة إسرائيل فى المرحلة المقبلة؟
داخل إسرائيل، هناك شعور متزايد بأن البلاد دخلت حالة «استنزاف مفتوح». لا حرب تنتهى، ولا تسوية سياسية تلوح فى الأفق، ولا استقرار اقتصادى أو اجتماعى حقيقى. وحتى النجاحات العسكرية الجزئية لم تعد كافية لإخفاء حجم الانقسام الداخلى بين اليمين الدينى والقومى، والمؤسسة الأمنية، والتيار الليبرالى، وعائلات الجنود والرهائن، والمعارضة السياسية.
ولهذا فإن الحديث عن انتخابات مبكرة لم يعد مجرد مناورة، بل احتمال حقيقى جدًا.
لكن السؤال الأهم ليس فقط هل ستُجرى الانتخابات؟ بل هل ستغير شيئًا فعلاً؟
حتى الآن لا يبدو أن إسرائيل تمتلك «بديلًا واضحًا» لنتنياهو. فالمعارضة لاتزال مشتتة، واليمين لايزال القوة الأكبر داخل المجتمع الإسرائيلى، والخطاب الأمنى المتشدد أصبح أكثر حضورًا منذ الحرب. وهذا يعنى أن أى انتخابات مقبلة قد لا تنتج تحولًا جذريًا بقدر ما قد تنتج إعادة ترتيب داخل المعسكر نفسه. ومع ذلك، فإن مجرد اهتزاز موقع نتنياهو يحمل دلالات إقليمية مهمة. فالرجل كان خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز مهندسى فكرة «التحالف الإقليمى» ضد إيران، وأحد أكثر الداعمين لتوسيع مسار التطبيع وربط أمن الخليج بالمشروع الأمنى الإسرائيلى. وأى ضعف داخلى له سيؤثر حتمًا على قدرة إسرائيل على التحرك إقليميًا بنفس الزخم السابق.. لكن فى المقابل، قد تحمل الانتخابات خطرًا آخر أكثر تعقيدًا، صعود تيارات أكثر تطرفًا.
فاليمين الإسرائيلى لم يعد يتحرك فقط حول فكرة الأمن، بل حول أفكار أيديولوجية ودينية أكثر تشددًا تجاه الفلسطينيين والمنطقة. وهذا يعنى أن أى محاولة من نتنياهو للبقاء، أو من خصومه اليمينيين للصعود، قد تدفع الجميع نحو مزيد من التصعيد بدل التهدئة. ولهذا تبدو المنطقة اليوم أمام مفارقة معقدة: إسرائيل تدخل أزمة سياسية داخلية فى لحظة إقليمية شديدة الخطورة.