بقلم : عبد اللطيف المناوي
لم تُغلق القضية لأنّها لم تكن يومًا عن إبستين وحده. سجلات الرحلات الجوية وصور المناسبات ووثائق العلاقات كشفت اقترابه من شخصيات فى أعلى هرم السلطة العالمية، بعضهم لم يُتهم قانونيا وبعضهم نفى، لكن تكرار الأسماء خلق انطباعا بأن الرجل لم يكن وحيدا وربما لم يكن اللاعب الأكبر. لم نشهد تحقيقا شاملًا يشرح للرأى العام كيف صعد إبستين ومن حماه ومن استفاد من صمته، وفى قضايا كهذه يصبح الصمت المؤسسى رسالة بحد ذاته. يضاف إلى ذلك البعد الأكثر حساسية، الحديث عن احتمال استخدام الجنس كأداة ابتزاز وعن صلات محتملة بشبكات نفوذ أو أجهزة استخبارات، وهو ما ينقل القضية من فضيحة جنسية إلى سؤال أوسع عن أدوات السلطة فى العصر الحديث.
الإعلام بدوره لم يكن بريئًا من هذا الفشل. فبين موجات التغطية المكثفة وفترات الصمت الطويلة، لعب الإعلام دورًا متناقضًا، كشف فى لحظات، وتراجع فى أخرى. التركيز على الشخص، لا على المنظومة، حوّل القضية أحيانًا إلى دراما فضائحية بدل أن تكون تحقيقًا مستمرًا فى مسؤولية المؤسسات. ومع مرور الوقت، ساهم هذا الأسلوب فى إنهاك الرأى العام، حتى بات كثيرون يشعرون بأن الحقيقة بعيدة المنال، وأن الاستمرار فى المتابعة بلا جدوى.
منذ اللحظة الأولى، تعامل الإعلام مع قضية إبستين بمنطق متقلب. انفجارات تغطية هائلة تتصدر العناوين العالمية، تتبعها فترات صمت شبه كامل، ثم عودة مفاجئة عند كل تطور صادم. هذا النمط لم يكن عشوائيًا، بل عكس إشكالية أعمق: الإعلام كان حاضرًا، لكنه لم يكن دائمًا حرًا أو متكافئًا فى تعامله مع جميع أطراف القصة.
أما السياسة، فقد اختارت المسافة الآمنة. لم نشهد لجنة تحقيق مستقلة ذات صلاحيات واسعة تُعيد فتح كل الملفات، ولم نسمع مساءلة حقيقية للمسؤولين عن الصفقة الأولى أو عن الإخفاقات اللاحقة. هذا الغياب لم يكن صدفة، بل عكس حسابات سياسية دقيقة: فتح الملف على مصراعيه قد يطال أسماء أكبر من أن تُمس، وقد يهز ثقة الجمهور بمؤسسات يُفترض أنها عماد الاستقرار.
فشلت المؤسسات فى إغلاق ملف إبستين لأنها تعاملت معه كـ«مشكلة» يجب احتواؤها لا كـ«اختبار» يجب اجتيازه. فشلت لأنها فضّلت الحلول الجزئية على المواجهة الشاملة، والصفقات السريعة على العدالة الكاملة، والصمت المؤقت على الحقيقة المؤلمة. وبهذا، تحوّلت القضية من ملف جنائى إلى رمز إن النظام قادر دائمًا على تصحيح نفسه.
هذا الفشل هو ما يفسر بقاء القضية حيّة حتى اليوم. فحين لا تُغلق الملفات بالحقيقة، تُغلق مؤقتًا بالإجهاد، لكنها تعود.
الحكاية طويلة، تفاصيلها كثيرة، لذلك سنتناول فقط فيما بعد الزوايا الرئيسية ذات المغزى، والدروس والعبر.