توقيت القاهرة المحلي 03:48:35 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«بروكسل»... نيودلهي المحطة الجديدة

  مصر اليوم -

«بروكسل» نيودلهي المحطة الجديدة

بقلم:جمعة بوكليب

في عالمِ السياسة، كمَا في علم الفيزياء، لا يمكن غضُّ النَّظر عن قانون «الفعل ورد الفعل»؛ فلكل تحرّك دولي أثرٌ ارتداديٌّ يساويه في القوة ويعاكسُه في الاتجاه؛ إذ بينما كانت واشنطن الترمبيَّة تعيد رسم سياساتها الحمائية، وتخوض فجأة حروباً تجارية قائمةً على فرض الرسوم الجمركية على السّلع والبضائع المصدّرة من مختلف دول العالم، جاءَ الردّ مؤخراً من بروكسل (الاتحاد الأوروبي) ونيودلهي، متمثلاً في توقيع ما يمكن وصفه بـ«أضخم اتفاق للتجارة الحرة في العصر الحديث»، ليكونَ رسالة تذكير قوية لساكن البيت الأبيض.

«أمُّ كل الصفقات»؛ هو الوصف الذي أطلقته رئيسة «المفوضية الأوروبية»، أورسولا فون دير لاين، في خطاب ألقته بالهند مؤخراً، على الاتفاق التجاري الذي دخل مرحلة انتظار تصديق «البرلمان الأوروبي» وموافقة الحكومة الهندية بنهاية العام الحالي. يرى مراقبون غربيون أنَّ الاتفاقَ ليس مجرد أرقام جمركية، بل هو تدشينٌ لمرحلة أطلقوا عليها اسم «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبي عن التبعية الاقتصادية لواشنطن، عبر التوجه شرقاً نحو العملاق الهندي، بمنأى عن التورّط في شراكة تجارية مع الصين ضماناً للسلامة.

يُذكر أنَّ الهند كانت قد أزاحت مؤخراً بريطانيا عن المرتبة الخامسة في قائمة أكبر اقتصادات العالم، وهي، استناداً إلى تقارير إعلامية، تستعد حالياً للاستحواذ على المرتبة الرابعة.

تكمن أهمية هذه الخطوة غير المسبوقة في اختراقها الجدار الحمائي الهندي الشهير. فمن المعروف أنَّ حكومات نيودلهي ظلَّت لعقود حريصة على إغلاق أسواقها أمام المنافسة الخارجية؛ لحماية صناعاتها المحلية، لكنَّها وافقت أخيراً على فتح أبوابها أمام منتجات شركات «الاتحاد الأوروبي»، التي في المقابل ضمنت سوقاً بنحو ملياري مستهلك، وبتبادل تجاري يصل إلى 180 مليار يورو سنوياً.

هذا التحوّل كان، أولاً، ردَّ فعل هندياً ضد التعريفة الجمركية الأميركية على منتجاتها، التي ارتفعت من 25 إلى 50 في المائة حين كانت الهند رافضة للتوقف عن شراء النفط الروسي بأسعار مخفّضة. وثانياً أنَّ هذا الاتفاق لم يأتِ صدفة، بل هو ثمرة مفاوضات ماراثونية بدأت عام 2007، وهو العام الذي بلغ «المرحلة التريليونية»، أي وصل التبادل فيه إلى تريليون دولار أميركي. لكن المفاوضات مع «بروكسل» تعثرت طويلاً بسبب خلافات بشأن قطاعي «السيارات» و«الألبان»، كما تؤكد التقارير الإعلامية، قبل أن تُستأنف بزخم غير مسبوق بالتزامن مع فرض واشنطن رسومها الجمركية الجديدة. السرعة في إبرام الاتفاق تبين مدى اقتناع «بروكسل» ونيودلهي بضرورة تقديم تنازلات في قطاعات صناعية كانت في السابق غير خاضعة للنقاش.

بحلول عام 2032، سيرسم الاتفاق واقعاً اقتصادياً جديداً قائماً على إعفاءات جمركية وضريبية متبادلة، تشمل إعفاءً ضريبياً للمنتجات الصناعية الأوروبية بنسبة 96.6 في المائة، وتوفير ما قيمته نحو 4 مليارات يورو سنوياً على الشركات الأوروبية من رسوم التعريفات. وكذلك إعفاءات ضريبية لمنتجات الحديد والصلب، والأدوية، والمنسوجات، في كلا الاتجاهين؛ مما يخلق توازناً تجارياً فريداً.

يتجاوز هذا الاتفاق لغةَ الأرقام الجافة؛ فهو يؤرخ لبداية مرحلة من تنويع التحالفات بعيداً عن الهيمنة الأميركية، وبناء قطب تجاري موازٍ قادر على الصمود في وجه التحوّلات العالمية. وكي لا يثيرا استياء وحنق واشنطن بشكل صدامي، اختار الطرفان؛ الهند و«الاتحاد الأوروبي»، تعزيز الشراكة بينهما بوصف ذلك بديلاً آمناً للتوسع التجاري مع الصين، وضماناً للتوازن والاستقرار، آخذَين في الحسبان أنه سبق للهند التوقيع على اتفاق تجاري مع بريطانيا، يتميز عن نظيره الأوروبي بالتركيز على قطاع الخدمات.

الاتفاق يعني أن «بروكسل» اضطرت إلى تبنّي نهج براغماتي في تعاملها مع الهند، بمعنى أنَّها قبلت راضية غضَّ الطرف عن شراء الهند النفط الروسي بأسعار مخفضة سابقاً؛ الأمر الذي يفضي إلى استنتاج مفاده بأنَّ «بروكسل»؛ عكس واشنطن، تريد المشاركة في النمو من دون اللجوء إلى استخدام سياستَيْ الخضوع أو الإخضاع، بعد أن ثبتَ أنَّها سياسةٌ تأتي بنتائجَ معاكسةٍ سلبية. إنَّها الواقعية في أجلَى صورها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«بروكسل» نيودلهي المحطة الجديدة «بروكسل» نيودلهي المحطة الجديدة



GMT 02:57 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

بديل السياسة الغائبة

GMT 02:56 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مبارك بين عادل إمام ومحمود عبدالعزيز!!

GMT 02:54 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عصر ما بعد الموتوسيكلات

GMT 02:52 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

الوساطة مازالت ممكنة لكن بشروط

GMT 02:50 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

زيارة قصيرة للساحل!

GMT 02:48 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

إلى أين نذهب؟

GMT 02:47 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

أفتقد هؤلاء

GMT 02:45 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

صراع فى الفضاء!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt