بقلم : عبد اللطيف المناوي
لا تُقاس قيمة الأشخاص بما يقولونه، بل بما يفعلونه عندما تضيق الخيارات وتشتد الضغوط. وفى حالة دكتور أحمد دلال، أول رئيس عربى للجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأول من يجسد بوضوح مزيج الهوية العربية والتكوين الأكاديمى الأمريكى، فإن الحكم على تجربته ينبغى ألا يبدأ من سيرته الأكاديمية الثرية فقط، ولا من موقعه، بل من أسلوب إدارته حين واجهت المؤسسة واحدة من أصعب أزماتها فى السنوات الأخيرة.
لم يكن خبر تجديد ولايته خمس سنوات أخرى مفاجئًا لمن تابع أداءه عن قرب. فالرجل، الذى يجمع بين تكوين علمى بدأ بالهندسة ثم امتد إلى فهم عميق للفكر والهويه وتاريخ المعرفة، لم يتعامل مع موقعه باعتباره منصبًا إداريًا، بل كمسؤولية إنسانية ومؤسسية فى آن واحد.
واجهت الجامعة الأمريكية بالقاهرة أزمة حادة نتيجة قرارات ترامب بوقف برامج الدعم الدولية. برامج التنمية المجتمعية، أبحاث الاستدامه، مبادرات تعليم اللغة الإنجليزية مجانا للملايين عرضة للتوقف. الأخطر كان التهديد المباشر لمصير آلاف الطلاب الذين يعتمدون على منح دراسية كان يمكن أن تختفى فجأه. هنا تحديدًا ظهر معدن الرجل. لم يتعامل دلال مع المسألة كأزمة مالية أو إدارية، بل كمسؤولية شخصيه.
الهمّ لم يكن «كيف نعيد التوازن المالى؟»، بل «كيف نضمن ألا يُحرم طالب من تعليمه؟». وكنت شاهداً على ما فعل لمحاولة تجاوز الأزمة.
اختبار آخر لا يقل أهمية جاء مع الاحتجاجات داخل الجامعة. فى بيئة إقليمية مشحونة، حيث يصبح التعبير السياسى مسألة شديدة الحساسية، اختار دلال طريقًا ليس سهلًا: الحفاظ على حق الطلاب فى التعبير مع الالتزام بالقواعد المؤسسيه دون السماح بانزلاق الأمور إلى فوضى أو صدام.. هذا التوازن بين الحرية والنظام هو أحد أصعب اختبارات الإدارة الجامعيه فى المنطقة، والنجاح فيه لا يأتى من الشعارات، بل من قدرة دقيقة على ضبط الإيقاع.
ما حدث داخل الجامعة فى تلك اللحظة لم يكن مجرد «إدارة احتجاج|، بل كان نموذجًا لكيف يمكن لمؤسسة تعليمية أن تحافظ على قيمها دون أن تنفصل عن واقعها.
أحد أهم ملامح تجربة دلال هو إدراكه أن الجامعة لا يمكن أن تبقى جزيرة منعزلة.
هناك جهد واضح وجاد لربط الجامعة بالمجتمع من خلال برامج تنموية، مبادرات تعليمية ودعم المهارات وسوق العمل. لكن الحقيقه أيضًا أن هذا المسار لم يصل بعد إلى أقصى إمكاناته. ما زالت الدولة لم تستفد من هذا الدور بالشكل الكامل. المشكلة ليست فى غياب الرؤية، بل فى الحاجة إلى مستوى أعلى من التنسيق وحوار أعمق بين الجامعة ومؤسسات الدولة.
دلال ليس من النوع الذى يصنع حضورًا إعلاميًا صاخبًا. ليس قائدًا استعراضيًا، ولا صاحب خطاب صاخب، لكنه فى لحظات الاختبار أظهر ما هو أهم؛ القدره على تحويل المسؤولية إلى التزام شخصى، والأزمة إلى اختبار للقيم، والمنصب إلى أداة لخدمة الناس، لا مجرد إدارة مؤسسة.